الجمال والفن بين المنظورين الغربي و الإسلامي

الجمال والفن بين المنظورين الغربي و الإسلامي
د. صبري محمد خليل -أستاذ مشارك (تخصص فلسفه القيم الاسلاميه) جامعه الخرطوم
أولا: مفهومي الفن والجمال في المنظور الفلسفي الغربي
أولاً : في الفلسفة اليونانية:
الجمال بين الذاتية والموضوعية(السوفسطائيه وسقراط):
ا/ ذاتية الجمال عند السفسطائية:
السوفسطائيه من أوائل المدارس الفلسفية اليونانية التي حاولت تفسير مفهوم الجمال لكن طبقا لمعيار ذاتي نسبى حسى..
ذاتية ونسبية الجمال : وقد استندت في ذلك على نظرية معرفة حسية تجعل الحواس وسيلة المعرفة التي يمكن معرفة الوجود من خلالها ، غير أن المعرفة التي تمدنا بها الحواس لا بد أن تكون ذاتية ( والذاتي هو ما يوجد داخل عقل الإنسان من أفكار وانفعالات وبالتالي ما يتغير بتغير عقول الأفراد ) ونسبية ( والنسبي ما لا يفهم إلا منسوبا إلى زمان معين ومكان معين وبالتالي يخضع للتغير والتطور بتغير المكان والزمان ) . وبنوا على هذا أن الجمال ذاتي ( يتغير بتغير الأفراد ) نسبي ( يخضع للتغير في المكان والتطور خلال الزمان) .
الفن ظاهره إنسانية : كما رتبوا على القول بان الفن ظاهرة إنسانية اى من إبداع الإنسان، وان مرجع القيم الجمالية اتفاق الناس في زمان ومكان معينين، وهذا ما يتضح في مقولة بروتاجوراس ( الإنسان معيار كل شئ ) . ونفوا اى مصدر الهي أو مقدس للفن كما هو معتقد الشعوب الشرقية واليونانية القديمة القاتلة بوجود اله للجمال يلهم الفانين .
الفن مهارة مكتسبة : فالفن عند السفسطائية ليس موهبة إلهية ، بل هو مهارة مكتسبة بالخبرة والتعلم تقويم ( )
تقــــويم:
رواد النزعة الإنسانية : بهذا كان السفسطائيين رواد للنزعة الإنسانية في الفلسفة الغربية ومضمونها انه في نطاق التأثير المتبادل بين العوامل المادية والروحية المتعددة فان الإنسان هو العامل الحاسم في التطور الاجتماعي .
استبعاد الموضوعية : ولكنهم قرنوا بين النزعة الإنسانية واستبعاد الموضوعية ( بشكلها المطلق اى الإقرار بوجود اله والمحدود اى الإقرار بالوجود المستقل للعالم ) لتسقط النزعة الإنسانية لديهم في هوة الذاتية المطلق .
إلغاء دور الموهبة : كما أنها هبطت بالفن إلى مستوى الصنعة،وقللت من دور الموهبة في الإبداع الجمالي، بينما الإبداع الجمالي هو محصله عوامل مكتسبه ” كالخبرة والتعلم”، وعوامل موروثة “كالموهبة”، ولا يمكن تجاهل أيا من هذه العوامل المتفاعلة.

ب/موضوعيه الجمال عند سقراط
الجمال عقلي لا حسي : أما سقراط فقد ذهب إلى أن المعايير الجمالية موضوعية ( اى لا تتغير بتغير الأفراد )،ومصدر هذه الموضوعية أن العقل واحد عند كل الناس . وهو هنا يرفض الموقف السفسطائي القائم على أن هذه المعايير ذاتية ( تتغير بتغير عقول الأفراد ) ،ومصدر الذاتية عندهم أن الحواس تتغير بتغير الأفراد.
الجمال الباطني : كما رأى أن قول السفسطائيين بأن الحواس،واللذة هي مصدر المعايير الجمالية يؤدي إلى التدهور الفني ولا يصلح لإيجاد فن أصيل ، كما اعتبر أن الجمال الحقيقي هو الجمال الباطني ( جمال النفس ) لا الجمال الظاهري ( جمال الجسم والشكل ) .
الفن وسيلة لغاية أخلاقية لا غاية في ذاته : كما اعتبر ان الفن وسيلة لغاية أخلاقية اى أن وظيفة الفن خدمة الأخلاق وليس غاية في ذاته وهو هنا يرفض مذهب الفن للفن الذي يفصل الجمال عن الأخلاق .
تقـــــــــويم:
تأكيد موضوعية الجمال : حاول سقراط أن يعيد الموضوعية فى المعايير الجمالية على أساس العقل والتي ألغاها السفسطائيين على أساس الحواس .
الخلط بين الجمال والخير : كما حاول أن يؤكد الارتباط بين الق يم الجمالية والأخلاقية بعد ان فصل السفسطائيين بينهما لكنه تطرق في هذا التأكيد ( كرد فعل من الموقف السفسطائي لينتهي إلى الخلط بين القيمتين بدلاً من القول بان الحل الجدلي للعلاقة بين القيم الأخلاقية والجمالية هي علاقة وحدة ( لا خلط ) وتميز ( لا فصل .)
الجمال بين المفارقة والكمون ( أفلاطون والأفلاطونية الجديدة وأرسطو ):
ا/ أفلاطون:
نظرية المثل والجدل الصاعد : تناول أفلاطون مفاهيم الجمال والفن من خلال نظريته في الوجود ( نظرية المثل ) والمعرفة ( الجل الصاعد ) ومضمون الأولي انه ليس للعالم المادي المحسوس اى وجود حقيقي بل هو مجرد ظلال لعالم المثل ومضمون الثانية أن المعرفة تتدرج من الإحساس (الوهم مثل إدراكي لظل شجرة ) فالظن (الإحساس مثل إدراكي لشجرة محسوسة ) فالاستدلال ( التعقل أو الإدراك العقلي المجرد مثل إدراكي لفكرة شجرة ) فالتعقل ( الحدس مثل إدراك مثال الشجرة بالذات المفارق للعالم المحسوس اى الموجود في عالم المثل .
درجات الجمال: وبناء على هذا فان أفلاطون يضع درجات للجمال هي من الأدنى إلى الأعلى
1/ الجمال المحسوس: وهو جمال الأجسام وهو ادني درجات الجمال.
2/ الجمال المعقول: وهو جمال النفوس وتعبر عنه الآداب والفنون.
3/ الجمال المفارق : وهو جمال مثال الشئ بالذات والموجود في عالم مفارق للعالم المحسوس هو عالم المثل .
شكلي الفن: وللفن عند أفلاطون شكلان أحداهما مرفوض والأخر مقبول
الشكل المرفوض: وهو الفن الذي هو محاكاة ( تقليد ) للطبيعة ولما كانت طبيعة المادية هي محاكاة للمثل فان هذا الفن هو محاكاة للمحاكاة ولذا أشار في كتاب الجمهورية إلى وجوب طرف الفنانين من المدينة الفاضلة ويعني بهم الفنانين الذين يمثلون الشكل المرفوض من الفن .
الشكل المقبول: وهو الفن القائم على المشاركة في المثل أي الفن الذي يتجاوز الجمال المحسوس والمعقول إلى الجمال المفارق عن طريق انكشاف عالم المثل للفنان.
ب/ الأفلاطونية الجديدة:
هي مدرسة فلسفية في مرحلة متأخرة من تاريخ الفلسفة اليونانية وتقوم على إعادة إحياء الفلسفة الأفلاطونية استنادا إلى بعض الديانات الشرقية القديمة .
نظرية الفيض : ولهذه المدرسة نظرية في الوجود قائمة على مفهوم الفيض مضمونها أن هناك عالمين: عالم أول هو العالم المادي ووجوده غير حقيقي ومصدر اعتقادنا بأنه حقيقي خداع الحواس . وعالم ثاني هو العالم الروحي وهو ذو وجود حقيقي وله ثلاث درجات هي الواحد فالعقل الكلي فالنفس الكلية .
درجات الجمال : وطبقاً لنظرية الفيض فان الجمال درجات تتفاوت في الكمال واعلي هذه الدرجات هي الجمال الواحد وأدناها هي الجمال المحسوس لأنه ظلال للجمال الروحي وعلى الفنان أن يصعد من جمال العالم المحسوس ( الوهمي ) ووسيلة معرفته الحواس إلى جمال الواحد ووسيلة معرفته الروح مار بدرجات العالم الروحي الثلاث ( العقل الكلي فالنفس الكلية فالواحد ).
تقويم : حاول أفلاطون وتابعته الأفلاطونية الجديدة ان يسير على طريق سقراط في القول بموضوعية ( ثبات ) المعايير الجمالية ولكنه لم يؤسس هذه الموضوعية على العقل كما فعل سقراط بل أسسها على القول بوجود عالم مفارق للعالم المادي هو عالم المثل ، أو العالم الروحي عند الأفلاطونية الجديدة . ولكن ترتيب على موافقة إلغاء البعد الذاتي للجمال ودور الإنسان فى التذوق الجمالي والإبداع الجمال وإهمال دور المادة (شكل ) في العمل الفني .
ج/ أرسطو :
الجمال كامن في العقل لا مفارق للعالم : خالف أرسطو أفلاطون في القول بان الجمال ليس نموذج ذو وجود مستقل عن عقل الإنسان ومفارق للعالم المادي وموجود فى عالم المثل بل هو نموذج كامن في العقل الإنساني بناءا على نظريته فى الوجود ( والقائمة على نفي وجود عالم مفارق لهذا العالم المادي ) والمعرفة ( والقائمة على القول المنفعل (الإنساني ) والفعال ( العقل الكلي ) المفارق لعقل الإنسان بمعني مغاير ومختلف في الطبيعة عنه لا بمعنى وجود خارج العالم .
المحاكاة مقصورة على الفنون الجميلة : وفي حين جعل أفلاطون المحاكاة صفة كل الفنون ( الخاصة ) بالشكل الأول للفن ) قصر أرسطو المحاكاة على الفنون الجميلة حيث اسمها بفنون المحاكاة تمييزا لها عن باقي الفنون .
الفن إخراج الطبيعة عن طبيعتها : كما يقرر أرسطو بان الفن لا يقف عند حد محاكاة الطبيعة بل انه يكمل هذه الطبيعة بما يبدعه من موضوعات جديدة فميزة الفن إخراج الطبيعة عن طبيعتها عن طريق تغييرها للاسوء أو للأحسن .
وظيفة الفن تصفية الانفعالات الضارة : كما لم يختلف أرسطو مع سقراط وأفلاطون في رب الجمال والفن بالأخلاق ولكنه اختلف عنهم فى جعل طبيعة هذه العلاقة قائمة على ان وظيفة الفن تصفية النفس من الانفعالات الضارة .
تقـــــــويم:
تحرير الفن من المحاكاة : وهكذا فان أرسطو استطاع أن يحرر الفن من جعله مجرد محاكاة للطبيعة كما عند أفلاطون .
الغاء البعد الموضوعي للجمال : لكن أرسطو لم يستطيع أن يتحرر من النظرة الذاتية للجمال ما دامت ماهيته كامنة في عقل الإنسان ( )
ثانياً : في الفلسفة الأوربية الحديثة:
الجمال تنظيم العقل للصور(كانط )
الفلسفة النقدية : تناول كانط مفهوم الجمال استنادا إلى الفلسفة نقدية تدور حول ثلاثة مجالات رئيسية :
1/ مجال المعرفة الذي يعتمد على ملكة الذهن وهو ما أسماه ( نقد العقل الخالص )
2/ مجال الأخلاق الذي يعتمد العقل وهو ما أسماه ( نقد العقل العملي ) .
3/ مجال الشعور باللذة الذي يعتمد على مله الحكم وهو ما أسماه ( نقد الحكم )
المعـرفة : أما في مجال المعرفة فيرى كانط أن المعرفة تتم أولاً من خلال تنظيم الأحاسيس في صور مدرك حسية بواسطة الزمان والمكان اللذات هما عنده ليس لهما وجود موضوعي خارج عقل الإنسان بل هما إطارين داخل ذهن الإنسان يتم من خلالهما تنظيم هذه الصور على التتابع (الزمان ) أو التوالي (المكان ) . وثانياً من خلال تنظيم هذه الصور بواسطة مقولات الذهن الأربعة : 1/ الكم ( كل جزء ) 2/ الكيف ( موجب ، سالب ) 3/ الجهة ( ممكن ، ضروري ) 4/ العلاقة (الجوهر ، العرض ).
الأخلاق: أما الأخلاق فان قانونها هو الإرادة الخيرة القائمة على مبدأ الحرية كما أن قوانين العالم الطبيعي قائمة على مبدأ السببية .
الحكم : أما الحكم فيستند إلى مبدأ الغائبة عند كانط تعني قدرة العقل على التنظيم او التنسيق ، وهو ما يؤدي إلى الشعور باللذة . وينقسم إلى قسمين:
1/ الحكم الجمالي : هو قدرة العقل على تنظيم قوى النفس اى تنظيم قوى النفس اى تنظيم الصور ( لذا فان الحكم الجمالي ذاتي ) وما يصاحب ذلك من شعور باللذة .
2/ الحكم الغائي : هو قدرة العقل على تنظيم عناصر علم الطبيعة اى تنظيم التصورات ( لذا فان الحكم الغائي موضوعي ) وما يصاحب ذلك من شعور باللذة ، ويقصد بالحكم الغائي ما يتعلق بالجلال لا الجمال .
لحظات الحكم الجمالي : وقد حدد كانط من مقولات الذهن الأربعة ( الكم والكيف والجهه والعلاقة ) لحظات الحكم الجمالي الأربعة :
اللحظة الأولى: ( من حيث الكم ) أن للحكم الجمالي طابعا كليا (كلي )
اللحظة الثانية :( من حيث الكيف ) أن الحكم الجمالي مجرد من المنفعة ( موجب ) و ليس وسيلة إليها ( سالب )
اللحظة الثالثة : ( من حيث الجهة ) أن الحكم الجمالي ضرورة اى أن هناك علاقة ضرورة بين الجمال والشعور باللذة . ( ضروري )
اللحظة الرابعة :( من حيث العلاقة ) أن الحكم الجمالي غائي بدون التعلق بغاية معينة.(جوهري تقـــــــــويم : استطاع كانط أن يحرر الجمال من المنفعة كما عند السفسطائيين لكنه اتفق معهم في أن فلسفته تؤسس لمذهب الفن للفن الذي يفصل الفن عن الواقع وآية ذلك أن الجمال عنده شعور خالص لا غاية ورائه .
الجمال تجلي الفكر عبر وسائط حسية ( هيجل )
الفلسفة المثالية الموضوعية : تناول هيجل مفهوم الجمال من خلال فلسفة مثالية موضوعية والمثالية كفلسفة لا تعني الالتزام بالمثل العليا( كما يوحي اسمها بل هى مشتقه من المثال عند أفلاطون وهو الفكرة ، وهي تعني أولوية الفكر على المادة والمقصود بالأولوية هنا أن للفكر وحدة الوجود الحقيقي أما المادة فمجرد تجلي أو انعكاس للفكر ليس له اى وجود حقيقي ( ومثالها الجسم وصورته في المرآة ) غير أن المثالية انقسمت إلي مثالية ذاتية تقصد بالفكر الفكر الإنساني ومثالية موضوعية تقصد به الفكر المطلق (الفكر الكلي أو ما يقابل الإله في الدين ).
المنهج المثالي الجدلي : كما تناول الجمال من خلال منهج مثالي جدلي اى منهج قائم على ان الفكر المطلق يتطور من خلال الجدل والجدل يعني أن التطور يتم من خلال صراع المتناقضات عبر ثلاثة لحظات ( الدعوى ونقيض الدعوى وجامع الدعوى ونقيضها ) .فهذا الفكر المطلق يتطور عبر ثلاث مراحل هي:
المرحلة الذاتية: وتتضمن اللذة والعاطفة والفضيلة وهي تقابل لحظة الدعوى.
المرحلة الموضوعية : وتتضمن الأخلاق والعرف والقانون وهي تقابل لحظة نقيض الدعوى المرحلة الجامعة للذات والموضوعية أو المرحلة المطلقة : وتتضمن الفن والدين والفلسفة وتقابل لحظة جامع الدعوى ونقيضها .
تعريف الفن : وبناءا على هذا يرى هيجل أن الفن يمثل لحظة الدعوى في المرحلة المطلقة من مراحل تطور الفكر المطلق ويعتبر آخر مظهر من مظاهر تجلي الفكر المطلق يتجلى فيها عبر وسائط حسية ويترتب على هذا أن الفن ليس تقليد للطبيعة وفق القول المنسوب لأفلاطون بل هو كشف أو تعبير عن الفكر المطلق في صورة حسية كاللوحات أو التماثيل
تاريخ الفن (التقسيم الثلاثي للفن ) : وتطبيقها للمنهج المثالي الجدلي على تاريخ الفن يخلص هيجل إلى تقسيم ثلاثي للفن :
1/ الفن الرمزي : ويمثله فن السيارة في الفن الشرقي فالفكر هنا يحاول أن يعبر عن ذاته بطريقة غير مباشرة اى عن طريق الرمز ( مثلا الأهرامات كرمز للخلود )
2/ الفن الكلاسيكي : ويمثله فن النحت الإغريقي وفيه تقترب الصورة (الشكل ) من الفكرة المضمون ) غير أن الشكل هنا (المادة المستخدمة فى النحت او الحجر ) يعجز عن إعدادنا بالصورة الحقيقية للفكر .
3/ الفن الرومانتيكي : ويمثله الفن الحديث وهو و ارقي تجلى للفكر المطلق في لحظة الفن وله إشكال عديدة .
الموسيقى : وهي تعبر عن الانفعالات الذاتية باستخدام الصوت غير أنها قاصرة لأنها تعبر عن انفعالات لأفكار و لأنها تحتمل تأويلات عديدة. ( )
ب/ الشعر وهو الفن الذي يبلغ مرتبة الكمال لأنه تعبير بالقول المعقول وهو نوعان :
1/ غنائي: وهو الذي يعبر عن الذات (العواطف والأفكار الذاتية ) لذا فهو ناقص .
2/ درامي : وهو الذي يعبر عن الذات والموضوع ( الذات والتاريخ والطبيعة ) لذا فهو كامل .
الشكل والمضمون : وباستخدام هيجل لمنهجية في شكله العلاقة بين الشكل (المادة المستخدمة في العمل الفني كالحجر في النحت او الصوت في الغناء أو الألوان في الرسم ) والمضمون في الفن الرمزي فهو يمثل لحظة الدعوي بينما يغلب الشكل على المضمون في الفن الكلاسيكي فهو يمثل لحظة النقيض بينما يتميز الفن الرومانتيكي بتوازن الشكل والمضمون، فهو يمثل لحظة جامع الدعوي ونقيضها .
تقــــــــــويم:
مرحلية الفن : رغم أن الفن له هذه المكانة السامية في فلسفة هيجل إلا انه مجرد لحظة من لحظات الفكر المطلق في مرحلته المطلقة يجب أن يتجاوزها إلى لحظة تالية هي الدين والسبب في ذاته أن الفن عنده عاجز عن التعبير عن الفكر المطلق بصورة كاملة بسبب صورته (إلى الوسائط الحسية المستخدمة في الفن وهي المادة ).
إلغاء الجمال الطبيعي : كما نلاحظ أن الجمال عنده مقصور على الفن ويتجاهل الجمال الطبيعي لان الفن نتاج الوعي فهو أرقى من الطبيعة .
الغاء دور الانسان (الفنان ) : كما أن فلسفة هيجل ألغت دور الإنسان الفنان في الإبداع الفني لان الفن عنده تجلى الفكر المطلق الذي هو غير فكر الإنسان .
الــــفن عكس الوعي للواقع المادي (كارل ماركس)
تناول ماركس مفاهيم الجمال والفن استنادا الأسس فلسفية نقيضه للأسس الفلسفية التي استند إليها هيجل ( أستاذ ماركس ) فقد أنكر ماركس وجود الفكر المطلق ولكنه اخذ من هيجل الجدل . ليسنده للمادة .
المادية الجدلية : فالمادية الجدلية تقوم على ان المادة وحدها الوجود الحقيقي اما الفكر فمجرد انعكاس لحركة المادة ليس له اى وجود حقيقي . وان حركة المادة جدلية اى عبارة عن تطور من خلال صراع المتناقضات .
المادية التاريخية : والمادية التاريخية هي محطة تطبيق المادية الجدلية على التاريخ ومضمونها أن البنية الفوقية (الفن والفلسفة والأخلاق والنظم السياسية ) مجرد عاكس للتطور الجدلي الحادث في البنية التحتية (أسلوب الإنتاج الذي يضم النقيضين أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج ) . وهو ما يعبر عن نفسه في صورة صراع طبقي بين الطبقة التي تمثل أدوات الإنتاج والتي تمثل علاقات الإنتاج وهذا التطور يتم عبر أطوار هي الشيوعية البدائية فالعبودية فالإقطاع فالراسماليه فالشيوعية العلمية وأولى مراحلها الاشتراكية .
تعريف الفن: فالفن بناءا على ذلك هو شكل من إشكال عكس الوعي للواقع المادي. إذ الجمال والفن ما هما إلا جزء من البنية الفوقية التي هي مجرد انعكاس للبنية التحتية .
تاريخية وطبقية القيم الجمالية : كما انه لا توجد قيم جمالية مطلقة إذ هي قائمة على أساس تاريخي ( فكل طور من أطوار التطور التاريخي قيمة الجمالية ) فكل طبقة قيمتها الجمالية باستثناء الطور الشيوعي الذي ستتلاشى فيه الطبقات . وعندما لاحظ ماركس أن القيم الجمالية الإغريقية لا تزال تستأثر شعوب أوربا علله بقوله أن في تلك الروائع الفنية اليونانية مسحة من البراءة فهي تعبر عن عالم بشرى تغلب عليه سذاجة الطفولة ونحن نجد في أنفسنا حنيناً بالغا إلى هذه الطفولة البشرية حتى نتحرر من أعباء حياتنا الراشدة الحافلة بضروب الصراع .
الواقعية الاشتراكية : كما يترتب على الفلسفة الماركسية أن الفنان مجرد عاكس للطبيعة المادية وهو ما أدى إلى ظهور المدرسة الواقعية الاشتراكية في مرحلة تالية على ماركس وتقوم على إلزام الفنان بالتعبير عن الواقع الاجتماعي .
تقويــــــــم :
الخلط بين الشكل والمضمون : نلاحظ أن الماركسية تخلط بين الأفكار التي يريد الفنان أن يثيرها بالعمل الفني (المضمون ) وهي أفكار واقعية اجتماعية دائماً والأفكار التي يريد الفنان أن يثيرها بالعمل الفني (المضمون ) وهي أفكار واقعية اجتماعية دائماً والأفكار التي يصوغها الفنان في العمل الفني كمعادل للأفكار الأولي (الشكل ) والتي لا يشترط فيها أن تكون واقعية بل هي تشكيلاً غير قابل أصلا فلا يجوز أن نلزم الفنان أن تكون أدوات تعبيره – مستمده من الواقع او مطابقة له .
التصنيف الاجتماعي لا الفني : كما أنها تصنف الفنانين على أساس عقلاني ذو مضمون اجتماعي وليس على أساس فني .
الموهبة غير مشروطة بطبقة او طور معين : كما أن النظام الاشتراكي وغير الاشتراكي لا يستطيع أن يوجد الموهبة الفنية وفي كل العصور منذ المشاعية البدائية إلى العبودية إلى الإقطاعية إلى الرأسمالية إلى الاشتراكية وجدت الموهبة الفنية()
ثالثا: في الفلسفة الغربية المعاصرة
الفن خبرة (البرجماتية عند جون ديوي)
نظرية المعرفة البراجماتية : تناول ديوي مفهوم الجمال من خلال نظرية معرفة ذات أساس براجماتي ترفض الفصل بين الذات ( المعرف ) عن الموضوع (المعروف ) استناداً إلى تعريف الخبرة بأنها . “تفاعل حيوي بين الإنسان وبيئته ” هذا التفاعل يتم خلال الانتقال من الصراع بين الإنسان وبيئته (الحاجة) إلي التوازن بينهما (الإشباع ) وهكذا .
تعريف الجمال : والشكل الأولي للخبرة الجمالية نجده في الإيقاع الناشئ عن الانتقال من حالة الصراع مع البيئة (الحاجة ) إلى حالة التوازن بين الإنسان وبيئته (الإشباع ) فالإحساس الجمالي إنما هو في طبيعته كاى تلذذ أخر نتذوق بقضاء أي موضوع عادي من موضوعات الحياة الاستهلاكية لأنه ثمرة لضرب من المهرة أو لذكاه في طريقة تعاملنا مع الأشياء الطبيعية بحيث نتمكن من زيادة ألوان الإشباع التي تحققها لنا تلك الأشياء فنجعلها اشد وأنقى وأطول ”
الخبرة العادية والخبرة الفنية : والفرق بين الخبرة العادية والخبرة الفنية أن الخبرة العادية عندما تصبح من درجة اعلي تصبح خبرة فنية فالفنان يمتاز عن غيره من الناس بالمهارة والحساسية .
الفن والمنفعة : كما يربط جون ديوي بين الفن والمنفعة لذا يرفض الفصل بين الفنون الجميلة والفنون التطبيقية (النافعة ).
الجذور التاريخية بين الفنون الجميلة والتطبيقية : يرى أن التفرقة بين الفنون الجميلة والتطبيقية نشأت عن ظروف في المجتمعات الغربية الحديثة أدت إلى ظهور فكرة المتحف باعتباره مكان الأعمال الفنية وبالتالي فان الأعمال الفنية ليست قائمة بذاتها ومستقلة عن الحياة اليومية ويرى الفنون الجميلة لها قيمة تربوية تتمثل في أثرها التربوي على النفس كما أن الفنون التطبيقية تنطوي على قيمة جمالية حين تجئ إشكالها متلائمة مع استعمالها ()
تقــــــويم:
الربط بين الفن والحياة : وهكذا فان جون ديوي قد نجح في تأييد الارتباط بين الفن والحياة .
إحالة الفن الى مجرد نشاط اداتى : إلا انه تطرق في هذا التأكيد إلى درجة أحالة الفن إلى مجرد نشاط أداتي لخدمة غايات أخرى حيوية أو اجتماعية فتحول عنده إلى مجرد إدراك حسي نافع .
الفن تعبيره عن حدس (الهيجلية الجديدة عند كروتشه) .
فلسفة الروح : تناول كروتشه مفهوم الجمال من خلال فلسفة روحية يمكن اعتبارها تجديدا للفلسفة الهيجلية هذه الفلسفة تنسب للروح نوعين من النشاط : 1/ نشاط نظري يظهر في المعرفة المنطقية وأداتها العقل وغايته الحق .2/ نشاط عملي وله مظهران :1/ الاقتصاد ويستند الى الرغبة وغايته المنفعة ب/ الأخلاق وتستند الى الإرادة وغايته الخير .
علاقة الجمال بالقيم الأخرى : والفن هو القاعدة التي يستند إليها هذا الهرم لأنه أولى درجات التعبير عن نشاط الروح وبالتالي فان باقي الدرجات (العلم والاقتصاد والأخلاق ) تستند إليه وفي ذاته الوقت لا يستند هو إليها . وبالتالي يتمتع باستقلال حقيقي عنها .
الحدس اده الفن : والجمال عند كروتشه يقوم على الحدس الذي يعرفه بأنه فاعلية في عقل الإنسان منتجه للصور الخيالية التي تتحول إلى تعبير كثمرة للانفعالات .فالحدس احد مظهري النشاط النظري للروح المعرفة الحدسية المستندة الى الخيال والمنتجة للصور الخيالية وتتعلق بالفردي . والمعرفة المنطقية المستندة على العقل ومنتجه للتصورات الذهنية وتتعلق بالكلي والعلاقات القائمة بين الأشياء .
التوحيد بين الحدس والتعبير: ثم يوحد كروتشه بين الحدس والتعبير لان أهم خصائص الروح إمكانية تحققه في التعبير أما ما لا يمكن أن يتحقق في موضوع خارجي فهو إحساس .
المادة أداة توصيل: أما الواسطة فهي أداة توصيل من هنا لا يجوز الخلط بين العمل الفني وواسطته المادية التي هي أداة توصيل بين الفنان والجمهور. يترتب على هذا ضرورة التمييز بين الفن والصنعة فالفن حدس أولا ومادة ثانيا أما الصنعة فهي مادة أساسا.
تعريف الفن : ويعرف بأنه حدس يقدم الفنان من خلاله صور خيالية والمتذوق يقوم بإعادة تكوين هذه الصور في وعيه . كما يعرف الجمال بأنه التعبير الموفق والقبح بأنه التعبير المخفق .
تقــــــــــويم :
تميز الفن عن المنفعة واللذة : نجح كروتشه في التميز بين الفن والواقعة المادية والمنفعة العلمية واللذة والفعل والسلوك .
استبعاد الجانب المادي : لكنه ركز على الجانب الفكري في العمل الفني ( تحت تأثير فلسفته المثالية ) واستبعد الجانب الفيزيائي المادي .
التوحيد بين الفن والتعبير : كما انه انتهى إلي الخلط بين الفن والتعبير .
الفن وعي خيالي الوجودية عند سارتر
تعريف الوجوديه: الوجودية هي فلسفة تذهب إلى أن ما يميز الإنسان عن باقي الكائنات الأخيرة تسبق ماهيتها ( صفاتها ) وجودها ، فالنجار يكون في ذهنه فكرة عن صفا المنضدة أولا ثم يوحدها ثانيا أما الإنسان فهو الكائن الوحيد الذي يسبق وجوده ماهيته ، اى يوجد أولا ثم يختار صفاته بان يكون طيبا أو شريرا عني او فقير .. لذا فهو الوحيد الحر لأنه يختار صفاته بينما كل الكائنات الأخرى يتم تحديد صفاتها قبل أن توجد.
تحليل سارتر للوجود: وإسنادا إلى الفلسفة الوجودية قام سارتر (في المرحلة الأولى من مراحل تطوره الفكري ) بتحليل الوجود (الإنساني ) حيث يذهب إلى أن هناك نوعين من أنواع الوجود :
1/ الوجود لذاته : وهو الوعي ويتصف بالتغير المستمر خلال التحرر من الماضي والنزوع إلى المستقبل .
2/ الوجود في ذاته: وهو موضوع الوعي ويتصف بالثبات.
والعلاقة بينهما علاقة انفصال واتصال فهي انفصال الوعي متمايز عن موضوع إدراكه. كما أنها علاقة اتصال اذ موضوع الوعي ليس منفصلاً تماما إذ هو يقع في مجال الوعي .
موضوع الادراك الحسي وموضوع الخيال : ويرى ساتر أن هناك تعارض بين موضوع الإدراك الحسي حيث هو موضع موجود قبلا يلتقي به الوعي ، وموضوع التخيل وهو موضوع يوجده الوعي . فالتخيل هو سلب للإدراك الحسي وفي ذاته الوقت فان الادرا ك الحسي هو الأداء لقيام الخيال بدوره ويضرب سارتر مثالا بلوحة مكتب عليها اسم شخص فالوعي حين يقصد هذا الاسم يصبح هذا الموضع متخيل أما الخطوط شئ مادي فليس لها أهمية بالنسبة لي .
الوعي الخيالي : فالوعي الخيالي الذي هو ا ساس الفن عند سارتر يتميز بان موضوعه لا واقعي وغائب ولكنه ذي ذات الوقت يستعين بموضوع مادي واقعي ، ففي لوحة شارل لكي يظهر شارل فان نسيج اللوحة الواقعي يجب أن يختفي
تعريف الفن : وبناء على ما سبق فان سارتر يعرف الفن بأنه خلق وسيط مادي ( وجود في ذاته ) يعمل كمعادل لموضوع جمالي متخيل لا واقعي . والتذوق الفني هو تأمل لهذا الموضع المتخيل من خلال هذا الوسيط()
تقـــــــويم :
إبراز دور الخيال : نجح سارتر في إبراز دور الخيال في الفن والتذوق الفني والجمالي
الفن للفن : إلا انه لم يخرج عن إطار مذهب الفن للفن الذي يفصل القيمة الجمالية عن القيم الأخرى (الأخلاقية والدينية ) وعن الواقع المادي والاجتماعي إذ الأفكار التي يثيرها الفنان بالعمل الفني عنده مصدرها الذات العارفة وليس الواقع الموضوعي . وقد حاول سارتر في مرحلة تالية أن يصحح هذا المذهب بالدعوة إلى الالتزام في الفن .
ثانيا:مفهومي الفن و الجمال في المنظور لإسلامي
الجمال كمال واعتدال: محي الدين بن عربي (التصوف الاسلامى)
نظرية الكشف : تناول بن عربي مفهوم الجمال من خلال نظرية معرفة تقوم على انه بالرياضة الروحية والبدنية يرق الحجاب بين الإنسان وخالقه حتى يزول فيتلقى المعرفة تلقيا مباشرا من الله ( تعالى ) بدون واسطة من الحواس أو العقل .
ولهذه المعرفة الحدسية ثلاث مراحل.
1/ المكاشفة : وهي رفع الحجاب بين الإنسان وخالقه هذا الحجاب يتمثل في المخلوقات ورفعة يتم بالتخلي عن المخلوقات وذلك بالرياضة الروحية والبدنية .
2/ التجلي: وهي تلقي هذه المعرفة الإلهية ولهذا التلقي طريقين 1/ عن طريق الروح الإنساني. ولما كان الروح مخلوقاته لا يصمد فيصيبه الوجد 2/ ومن الله تعالى مباشرة وبصحبه طمأنينة روحية . ولهذا التجلي عدد درجات .
1/ تجلي المعرفة التي تحل المشاكل الطبيعية (المعدنية والنباتية والحيوانية )
2/ تجلي المعرفة التي تحل المشاكل الفلسفية ( العلم النظري : المنطق والخطابة والجمال )
3/تجلي في الحياة الاخره .
4/ وأخيرا يؤدي هذا التجلي إلى رفع الحجاب عن التجربة الصوفية في الوجد.
كما يرى أن هناك ثلاثة وسائل لتلقي هذه المعرفة: الحواس والعقل والوجدان والأولوية للأخيرة
المشاهدة: وهي اثر تلقي هذه المعرفة الإلهية على النفس ، ولها شكلين :
1/ مشاهده مشرقه : وموضوعها هو صفات الجمال الإلهي .
2/ مشاهدة محرقة : وموضوعها هو صفات الجلال الإلهي .
الكمال والجلال والجمال: ثم تناول بن عربي الجمال وعلاقته بكل من الجلال والكمال حيث يرى أنها كلها صفات لله (تعالى )، غير انه يجب التمييز بين كمال الله تعالى الذي لا يقبل الزيادة، وكمال الإنسان الذي يقبل الزيادة . كما انه يرى أن الإلهية هي اثر مشاهدة جلال. الله تعالى على النفس ، كما أن الأنس اثر مشاهدة الجمال الإلهي على النفس،ويري أن الكمال هو شرط للجمال بالإضافة للاعتدال الذي عرفه بأنه ” المرتبة الوسطي المحمود بين النقيضين المذمومين .
تقويـــم :
اعتبر بن عربي الإلوهية مصدر الجمال لكنه اتساقا مع مذهبه في وحدة الوجود يخلط بين مستويات المتعدد للجمال أن يبقى المستوى المطلق للجمال (والذي ينفرد به الله تعالى ) ليلغى المستوى (النسبي ) للجمال والذي تصف به المخلوقات ) كآية دالة على المستوى الأول له . كما أن تصوره يقوم على إمكانية ظهور المستوي المطلق للجمال (الذي ينفرد له الله تعالى) في الحياة الدنيا لا في الحياة الآخرة ظهورا ذاتيا لا صفاتيا، وهو ما يناقض التصور القرآني (ألتنزيهي ) والقائم على أن الحياة الدنيا قائمة على ظهور صفات الله تعالى، والحياة الاخره قائمة على ظهور ذات الله تعالى، والفرق بين الذات والصفات أن الذات هي عين الوجود المطلق الذي ينفرد به لله تعالى، أما الصفات فهي ما دل على هذا الوجود.
الجمال حصول الشئ على كماله الأخير( الفارابي (الفلسفة الإسلامية )
محاوله أسلمه نظرية الفيض : تناول الفارابي مفهوم الجمال من خلال محاولته لتناول نظرية الفيض (ذات الأصول الأفلاطونية المحدثة ) تأويلا يجعلها لا تتناقض مع الإسلام .
ومضمون نظرية الفيض ( حسب تأويل الفارابي ) في مجال الوجود أن كل المجهودات توجد بفعل الفيض . ويتم الفيض بان الفيض من الأول العقل الأول ومن العقل يفيض كوكب وعق ثاني ، وهكذا إلى العقل المباشر (العقل الفعال ) الذي تفيض منه نفس الإنسان عند حدوث الجسد ، أما الموجودات المادية فنشأت من مادة مشتركة وترقت من الادني إلى الأعلى (العناصر الأربعة ) الماء النار التراب الهواء ) فالجماد فالنبات فالحيوان فالإنسان ) هذه المادة المشتركة نشأت نتيجة لاختلاف حجم وحركة الكواكب وترقت نتيجة لأشعة نتجت عن هذا الاختلاف .
أما مضمون نظرية الفيض في مجال المعرفة أن المعرفة تبدأ بالترقي من الاستعداد المعرفي الفطري (العقل بالقوة ) الى الإدراك الحسي (العقل بالملكة )إلي الإدراك المجرد (العقل بالفعل ) إلى تكوين خبرة معرفية متراكمة (العقل المستفاد ) إلى الاتحاد مع العقل الفعال (العقل الكلي ) وان الاتصال بالعقل الفعال يتم بطريقتين :-1/ طريقة العقل السابق ذكره 2/ المتخيلة (الوحي ) لدي الأنبياء (ع)
مفهوم الكمال : يقرر الفارابي أن الكمال هو أصل الجلال والجمال فكمال الشئ هو الذي يجعله جليلاً او جميلاً وافتقاده يجعله قبيحاً .والكمال مرتبط بالفيض فهو يتدرج من الكمال الإلهي إلى الإنساني ومن الكمال الروحي إلى المادي .
الكمال في الشعر : وتناول الكمال في الشعر فذهب إلى أن ثمة درجتين من الكمال الشعري .
الكمال الفني: ويرتبط بالمحاكاة والتخيل والمحاكاة عنده لا تعني المطابقة التشبيه والتمثيل كما أن المحاكاة والتخيل لا يرتبطان عنده بالأشياء المادية بل الأشياء الروحية.
الكمال من ناحية التأثير الجمالي : ويرتبط بعلاقة الشعر بالموسيقى،فالشعر لا يصل كماله إلا بالموسيقى، والغناء هو الكمال النهائي للموسيقى،والشعر للموسيقى كمال لان الأول داخلي يرتبط باجتماع الآلات الطبيعة والثاني خارجي يرتبط بعلاقة الموسيقى بالشعر،ويصنف الإلحان الطبيعية بثلاثة أنواع : الملذة والانفعالية والمخيلة .
أما الجلال فيرتبط عند الفارابي بالذات والصفات والأفعال الإلهية .
الجمال : أما الجمال عند الفارابي فهو مفهوم أكثر اتساعا من مفهوم الجلال،حيث يضم كافة الموجودات باختلاف درجات وجود، فالجمال هو السمة المشتركة بين كافة الموجودات .وكما أن الكمال في الجلال أيضا ،هناك الكمال في الجمال ،حيث يعرف الجمال في الموجود المعين أن يحصل له كماله الأخير.()
تقــــويم : وهكذا فان الفارابي اتساقا مع التصور الاسلامي جعل الألوهية مصدر الجمال، كما ربط بين الأخلاق والجلال والكمال .
كما استطاع أن يحرر الفن من نظرية المحاكاة اليونانية التي تحيله إلى مجرد شكل من أشكال التطابق مع الواقع .
لكنه باستعارته للتصور الإغريقي للوجود والمعرفة ( نظرية الفيض والعقول المفارقة ) رغم محاولته تأويله بما لا يناقض الإسلام انتهى إلى التأكيد على ما هو روحي ليلغى ما هو مادي .
كما انه لم يهتم بتفسير القبح مع ما له من أهمية كبيرة في تفسير الجمال إلا عرضاً، ومرجع ذلك أن نظرية الفيض التي استند إليها تقوم على شكل من أشكال وحده الوجو
موقف الفكر الاسلامى الحديث والمعاصر من الفنون بين المنع والضبط:
هناك موقفين من الفنون ، في إطار الفكر الاسلامى الحديث والمعاصر:
أولا:موقف الرفض المطلق (المنع المطلق):
فهناك أولا موقف الرفض المطلق للفنون ، والقائل بالمنع المطلق لها ، وهو يستند في ذلك إلى العديد من النصوص، التي يفسر دلالاتها بما يفيد تحريم الإسلام كدين لكافه أنواع الفنون ،ويفترض أن هذا التفسير هو محل إجماع بين علماء أهل السنة بمذاهبهم العقدية “الكلامية” والفقهية المتعددة
ضبط وليس منع: غير أن هذا التفسير لدلالات هذه النصوص ، ليس محل إجماع بين علماء أهل السنة، حيث أن هناك من علماء أهل السنة من فسر دلاله هذه النصوص- استنادا إلى نصوص أخرى- بما يفيد الضبط الشرعي ” لمضمون” الفنون، وليس المنع المطلق لها ، اى أن التحريم لا ينصب على اى فن بكافه أشكاله ، بل ينصب على أشكال معينه منه ، تتناقض “من حيث المضمون” مع الضوابط الشرعية للتذوق والإبداع الجمالي . وفيما يلي نورد أمثله على ذلك:
الغناء:
فهذا الموقف يقول بتحريم الغناء ، استنادا إلى بعض النصوص، التي فسر بعض علماء أهل السنة دلالاتها، بما يفيد الضبط الشرعي ” لمضمون” الغناء، وليس منعه مطلقا،اى عدم تحريم الغناء بكافه أنواعه ،بل تحريم أنواع معينه منه، تتناقض “من حيث المضمون” مع الضوابط الشرعية للتذوق والإبداع الجمالي، ومن هذه النصوص:
أولا: قال تعالى ( فمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وانتم سامدون )، قال ابن عباس السمر هو الغناء بلغة حمير، قال الإمام الغزالي (مخصوص بأشعار وغناء الكفار ، في معرض الاستهزاء بالمسلمين، لأنه لو حرم الغناء لكان ينبغي أن يحرم الضحك أيضا باشتمال الآية عليه ).
ثانيا:قال (صلى الله علي وسلم) (ما رفع احد صوته إلا بعث الله له شيطانين على منكبيه يضربان باعقابهما على صدره حتى يمسك )، قال الإمام الغزالي ( هو منزل على بعض أنواع الغناء ، الذي يحرك من القلب ما مراد الشيطان من الشهوة ).
ثالثا: قال (صلى الله علي وسلم) ( ليكونن في امتى أقوام يستحلون الخرز والحرير والمعازف) ( صورته عند البخاري صورة التعليق ،ولذا ضعفه ابن حزم ووصلة ابو داؤود )، قال الإمام الغزالي (الملاهي والأوتار والمزامير، التي ورد الشرع بالمنع فيها لا بذاتها ،ولكن حرمت الخمر واقتضت ضراوة الناس بها ،المبالغة في الفطام ،فحرم منها وما هو شعار أهل الشرب وهي الأوتار والمزامير بدليل نهى الرسول (صلى الله عليه وسلم) ” نهى عن الانتباذ في المزفت والحنتم والنقير”( متفق عليه من حديث ابن عباس )، وهى الأواني التي كانت مخصوصة بالشرب).
رابعا: قال الرسول (صلى الله علي وسلم) (أن الله تعالى حرم القينه وبيعها وتعليمها )( أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف ) والقينه الجارية التي تغني للرجال في مجلس الشرب قال الإمام الغزالي (التحريم هنا متعلق بتحريم الغناء في مجلس الشرب ).
الشعر:
كما آن هذا الموقف يقول بتحريم الشعر أو اغلب أنواعه ، استنادا إلى بعض النصوص، التي تفسر نصوص أخرى دلالاتها، بما يفيد الضبط الشرعي ” لمضمون” الشعر وليس المنع المطلق له، ومن هذه النصوص قوله تعالى ( الشعراء يتبعهم الغاوون )، روى ابو الحسن مولى تميم الرازي ان حسان بن ثابت وعبدا لله بن رواحه وكعب بن مالك جاءوا الى رسول الله وهم يبكون فقال : قد علم الله حين انزل هذه الآية إننا شعراء قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) ” إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات “.
ألصوره:
تفسير أحاديث امتناع دخول الملائكة بيت فيه صوره أو كلب أو جنب “في زيادة” : كما أن هذا الموقف يقول التماثيل – وأحيانا تحريم الصور المرسومه “أللوحات ” والفوتوغرافية ، استنادا إلى الأحاديث ، التي تفيد عدم دخول الملائكة بيت فيه صوره أو كلب- وهناك زيادة الجنب في بعض هذه الأحاديث- ومن هذه الأحاديث قول الرسول (صلى الله عليه وسلم )( لاَ تَدْخُلُ المَلاَئِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ، وَلاَ صُورَةٌ تَمَاثِيلُ ) (رواه البخاري : 3053 ، ومسلم : 2106 ). غير انه يجب أولا تقرير ان المقصود بالصورة في هذه الأحاديث التمثال وليس الصورة الفوتوغرافية- لأنها لم تكن موجودة في عهد النبوة كما هو معلوم – وليس الصورة المرسومة “اللوحة ” لان النصوص استخدمت لفظ تصاوير للتعبير عنها- ورد في حديث البخاري من حديث أنسٍ رضي الله عنه قال: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لاَ تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلاَتِي(أخرجه البخاري في الصلاة: ٣٧٤ من حديث أنسٍ رضي الله عنه ) .وقد فسر كثير من علماء أهل السنة دلالات هذه الأحاديث ، بما يفيد الضبط الشرعي وليس المنع المطلق،اى عدم تحريم الصور بكافه أنواعها واستخداماتها ،بل تحريم أنواع معينه أو استخدامات معينه للصور ، تتناقض مع الضوابط الشرعية للتذوق والإبداع الجمالي، بعبارة أخرى فقد قررا – استنادا إلى نصوص أخرى – أن دلاله هذه النصوص ليست مطلقه” تتناول على كافه انواع واستخدامات الصور”، بل مقيده”تتناول أنواع واستخدامات معينه للصور” .
فمن جهة الملائكة فانَّ امتناع الدخول في بيتً فيه صوره أو كلب مقصور على أنواع معينه من الملائكة منها : ملائكة الرحمة والاستغفار، ومنها جبريل (عليه السلام ) لقول الرَسُولُ (صَلَّى اللهُ عليه وسلم) (أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَتَيْتُكَ الْبَارِحَةَ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ فِي الْبَيْتِ تِمْثَالُ رَجُلٍ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ سِتْرٌ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ..) ،لذا قال بعض العلماء أن البيت الذي تمتنع الملائكة عن الدخول فيه هو بيت الوحي ” اى بيت الرسول (صلى الله عليه وسلم )” قال ابن حبان : (ذكر الخبر الدال على أن قوله صلى الله عليه وسلم لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب أراد به بيتا يوحى فيه لا كل البيوت)، والصواب ان المقصود بالبيت في الحديث هو كل بيت في حاله ملائكة الاستغفار والرحمة ،وبيت ألنبوه في حال جبرائيل (عليه السلام ) . وهناك ملائكة لا يمنعها وجود صوره أو كلب فى البيت من الدخول فيه – كما أشارت نصوص اخرى – ومنها الملائكةَ الكاتبين الذين يقومون بكتابه أعمال الانسان، يقول الإمام النووي ( وأما هؤلاء الملائكة الذين لا يدخلون بيتا فيه كلب أو صورة فهم ملائكة يطوفون بالرحمة والتَّبريك والاستغفار ، وأما الحفظة فيدخلون في كل بيت ولا يفارقون بنى آدم في كل حال ) ،ومنها أيضا ملك الموت.أما من جهة الصورة فان أن هناك العديد من النصوص، التي تستثنى من هذا الامتناع ، أنواع معينه من الصور، أو استخدامات معينه لها ومنها:
أولا: التصاوير المرسومة في الثياب”الرقم في الثوب”: والدليل قول الرسول (صلَّى الله عليه وسلَّم) لاَ تَدْخُلُ المَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ.. إِلاَّ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ((أخرجه البخاري في بدء الخلق :٣٢٢٦ ، ومسلم في اللباس والزينة :٢١٠٦ ، من حديث زيد بن خالدٍ الجهني عن أبي طلحة رضي الله عنهما).
ثانيا: الصورة الباقىه على هيئتها “الاصليه “: والدليل انه ورد فى الحديث الذي أخرجه أحمد :١٠١٩٣ وابن حبَّان واللفظ له :٥٨٥٤): أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلم(أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَتَيْتُكَ الْبَارِحَةَ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ فِي الْبَيْتِ تِمْثَالُ رَجُلٍ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ سِتْرٌ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ، فَأَمَرَ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ أَنْ يُقْطَعَ وَأَمَرَ بِالسِّتْرِ الَّذِي فِيهِ تِمْثَالٌ أَنْ يُقْطَعَ رَأْسُ التِّمْثَالِ، وَجُعِلَ مِنْهُ وِسَادَتانِ، وَأَمَرَ بِالْكَلْبِ فَأُخْرِجَ، وَكَانَ الْكَلْبُ جَرْوًا لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ تَحْتَ نَضَدٍ لَهُمْ).
ثالثا:الصورة الممتهنة:والدليل هو الحديث الذي أخرجه البخاري في المظالم والغصب:٢٤٧٩ ، ومسلم في اللباس والزينة: ٢١٠٧ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتِ اتَّخَذَتْ عَلَى سَهْوَةٍ لَهَا سِتْرًا فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَهَتَكَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ، فَكَانَتَا فِي البَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا)..
رابعا: التماثيل المستخدمة كلعبه للأطفال : والدليل هو إقرارُ الرسول (صلَّى الله عليه وسلَّم) في بيته لِلُعَب عائشة (رضي الله عنها) وهي عبارةٌ عن تماثيل لها ظلٌّ يلعب بها الأطفال كالفرس الذي له جناحان ( انظر الحديث الذي أخرجه البخاري /الأدب:٦١٣٠، ومسلم في فضائل الصحابة :٢٤٤٠)، والحديث الذي أخرجه أبو داود في الأدب: ٤٩٣٢، من حديث عائشة رضي الله عنها، وصحَّحه الألباني في آداب الزفاف١٧٠). ومن استقراء النصوص السابقة، نخلص إلى ان لهذه الأنواع المعينة من الصور أو الاستخدامات المعينة للصور،المستثناه من امتناع دخول الملائكه البيت التي توجد فيه ، لها خصائص تتنافى مع صفه التقديس وبالتالي العبادة ، وهو عله هذا الاستثناء ،بعباره أخرى فان هذا الامتناع مقصور على التمثال” وما في حكمه من رسم أو صوره أو جداريه أو مبنى… الذي يعبد “اى الصنم “، أو الذي ينسب صانعه صفه الخلق الى ذاته ، قال الإمام النووي ( قال العلماء : سبب امتناعهم من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة ، وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى ، وبعضها في صورة ما يُعبد من دون الله تعالى ..).
اتساقا مع ما سبق فقدا قرر هؤلاء العلماء أن هذا الامتناع مقصور على الصورة والكلب المحظور شرعا اقتناؤهم “كالصورة التي تعبد “الصنم ” اوالتى تنسب صانعها إلى ذاته صفه الخلق،او الكلب الذي يوجد داخل البيت ،و لا يستخدم للحراسة أو الصيد.. قال النووي (قال الخطَّابي: وإنما لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلبٌ أو صورةٌ ممَّا يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور، فأمَّا ما ليس بحرامٍ من كلب الصيد والزرع والماشية، والصورةِ التي تُمتهن في البساط والوسادة وغيرهما، فلا يمتنع دخولُ الملائكة بسببه(شرح مسلم:١٤/ ٨٤) ، وقال ابن حجرٍ – في تعليقه على حديث جبريل ( وفي هذا الحديث ترجيح قولِ مَن ذهب إلى أنَّ الصورة التي تمتنع الملائكة من دخول المكان: التي تكون فيه باقيةً على هيئتها مرتفعةً غير ممتهنةٍ، فأمَّا لو كانت ممتهَنةً أو غير ممتهنةٍ لكنَّها غُيِّرت مِن هيئتها: إمَّا بقطعها مِن نصفها أو بقطع رأسها فلا امتناع )(فتح الباري:١٠/ ٣٩٢). أما زيادة “ولا جنب” في الحديث “لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب” فقد قال الشيخ الالبانى( قلت: إسناده ضعيف، فيه اضطراب وجهالة، وقد ضعفه البخاري فقال ” عبد الله بن نُجَيِّ الحضرمي عن أبيه عن علي ؛ فيه نظر)(ضعيف سنن أبي داود :1/76 ، 78) ، أما بفرض صحته ، فقد قال بعض العلماء ان المراد بالجنب من يتهاون بالاغتسال ويتخذ تركه عاده وليس كل جنب ، قَالَ الْحَافِظ اِبْن حَجَر فى عون المعبود(يَحْتَمِل كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْمُرَاد بِالْجُنُبِ مَنْ يَتَهَاوَن بِالِاغْتِسَالِ وَيَتَّخِذ تَرْكه عَادَة لَا مَنْ يُؤَخِّرهُ لِيَفْعَلهُ ، قَالَ وَيُقَوِّيه أَنَّ الْمُرَاد بِالْكَلْبِ غَيْر مَا أُذِنَ فِي اِتِّخَاذه ، وَبِالصُّورَةِ مَا فِيهِ رُوح . قَالَ النَّوَوِيّ : وَفِي الْكَلْب نَظَر وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْجُنُبِ فِي حَدِيث عَلِيّ مَنْ لَمْ يَرْتَفِع حَدَثه كُلّه وَلَا بَعْضه وَإِذَا تَوَضَّأَ اِرْتَفَعَ بَعْض حَدَثه عَلَى الصَّحِيح )
موقف الضبط (الاباحه المقيدة):
وهناك ثانيا موقف الضبط الشرعي” لمضمون” الفنون ، والقائل بالاباحه المقيده للفنون، اى اباحه الفنون بشرط اتساق” مضمونها “مع الضوابط الاسلاميه- الموضوعية المطلقة – للتذوق والابداع الجمالي ، بشكليها التكليفى ” مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية” ، والتكويني “السنن الالهيه (الكلية والنوعية ) التي تضبط حركه الوجود “الشهادى “الشامل للوجود الانسانى “المستخلف “، والطبيعي “المسخر”،وهذا الموقف يفسر دلالات ذات النصوص- ، التي يستند إليها الموقف السابق، بما يفيد الضبط الشرعي “لمضمون الفنون” وليس المنع المطلق لها ، وهو يستند في ذلك إلى نصوص أخرى، فضلا عن تفسير كثير من علماء أهل السنة لدلالات هذه النصوص ،وفيما يلي نورد حمله من النصوص التي تدل على الاباحه المقيده لكثير من الفنون
التذوق والابداع الجمالي:
قال تعالى : ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين ، قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة )، وقال تعالى ( وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها )،وقال الرسول(صلى الله عليه وسلم) في حديث الاستسقاء (لهم انزل علينا في أرضنا زينتها ) ( رواه البخاري وأبو داؤود والنسائي وابن ماجه والدرامي واحمد )، وقال (صلى الله عليه وسلم) عن الخيل ( ستر و جمال للرجل يتخذها تكريما وتجميلا )( من حديث أبو هريرة رواه احمد ومسلم .)، وقال مالك بن مرارة للرسول (صلى الله عليه وسلم) ( يا رسول الله قد قسم لي من الجمال ما ترى، فما أحب احد من الناس فضلني بشركين فما فوقهما، فليس هو ذلك الغي) فقال (صلى الله عليه وسلم) (لا ليس ذلك بالبغي، ولكن البغي من بطر الحق وغمط الناس )( رواه أبو داؤود واحمد ).
الشعر:
ورد أن الرسول (صلى الله علي وسلم) ( كان يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائماً يفاخر عن رسول الله) (أخرجه البخاري تعليقا وأبو داؤود والترمذي والحاكم متصلاً من حديث عائشة) .
الغناء:
قالت عائشة (رضي الله عنها) ( دخل رسول الله (صلى الله علي وسلم) وعندي جاريتان تغنيان بغناء فأضجع على الفراش وحول وجهه فدخل ابو بكر فانتهرني وقال مزامير الشيطان عند رسول الله فاقبل عليه رسول (صلى الله علي وسلم) وقال: دعهما فان اليوم عيد، قال فغمزتهما فخرجتا ” (الصحيحتين ).وما هو معلوم من إنشاد النساء عند قدوم رسول الله (صلى الله علي وسلم) المدينة ( طلع البدر علينا من ثنيات الوداع )( أخرجه البهيقي في دلائل النبوة من حديث عائشة متصلا). اتساقا مع هذه النصوص فان كثير من علماء أهل السنة رفضوا القول بالمنع المطلق للغناء، وقالوا بالاباحه المقيده له” اى عدم تحريم الغناء بكافه أنواعه، بل تحريم أنواع معينه منه، تتناقض “من حيث المضمون” مع الضوابط الشرعية للتذوق والابداع الجمالى ” .ومن هؤلاء العلماء أبو حامد الغزالي ، وأبو الطيب الطبري ، والشيخ أبو إسحاق ، وابن الصباغ ، وابن حزم الاندلسى الذي تتبع الأحاديث التي اعتمد عليها الذين ذهبوا إلى التحريم، وحمل عليها من جهة سندها ورواتها حيث يقول (إنه لم يصح في باب تحريم الغناء حديث)، ومثله ـ في هذا المنهج ـ أبو الفضل المقدسيّ. يقول الإمام العز بن عبد السلام (ان السماع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:1-منها ما هو حرام محض: وهو لأكثر الناس من الشباب ومن تغلبت عليهم شهواتهم ولذاتهم ، وملكهم حب الدنيا. وتكدرت بواطنهم وفسدت كل مقاصدهم فلا يحرك السماع منهم إلا ما هو الغالب عليهم وعلى قلوبهم من الصفات الذميمة 2-ومنها ما هو مباح وهو لمن لا حظ له منه إلا التلذذ بالصوت الحسن واستدعاء السرور والفرح، أو يتذكر غائبًا أو ميتًا فيثير حزنه فيروح بما سمعه.3-ومنها ما هو مندوب: وهو لمن غلب عليه حب الله تعالى والشوق إليه، فلا يحرك السماع منه إلا الصفات المحمودة وتضاعف الشوق إلى الله سبحانه وتعالى() ويقول الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي فى رسالته عن الموسيقى والغناء ان حكم سماع الأصوات والآلات المطربة عنده أنه إذا اقترن بشيء من المحرمات، أو اتخذ وسيلة للمحرمات، أو أوقع في المحرمات كان حراما، وأنه إذا سلم من كل ذلك كان مباحًا في حضوره وسماعه وتعلمه .ويقول الامام الهروى (وحكم السماع شرعا: يتبع ما تعلق به. إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشر. فإن كان المقصود بالسماع حب الله تعالى والتبتل إليه والازدياد من الإيمان، والتحبب إليه. فأنعم به من سماع. وإن كان السماع مثيرًا للهوى موقظًا لغرائز النفس. ويراد به غير المقصود منه فهو في مثل هذا المقام فتنة ويحرم)(التمكين في شرح منازل السائرين ص50)
النحت :
قال تعالى(يعلمونه له ما يشاء من محاريب وتماثيل .. واعلموا ال داؤود شكرا ) فجعل عمل المحاريب والتماثيل نعمة من الله على سليمان وموجب للشكر
الدمى:
ورد في الحديث أن النبي (صلى الله علي وسلم) قال لعائشة يوما ما هذا، قالت بناتي فقال فما هذا الذي وسطهن قالت فرس قال ما هذا عليه قالت جناحان قال فرس له جناحان قالت أما سمعت انه كان لسليمان بن داؤود عليه السلام خيل لها أجنحة قالت فضحك رسول الله (صلى الله علي وسلم) حتى بدت نواجذه ( رواه ابو داؤد بإسناد صحيح ).
الرقص الشعبي :
ورد في حديث ابي ظاهر وهب عن عائشة قالت :والله لقد رأيت رسول الله (صلى الله علي وسلم) يقوم على باب حجرتي والحبشة للعيون بحرابهم في مسجد رسول الله (صلى الله علي وسلم) وهو يسترني بثوبه لكي انظر إلى لعبهم ثم يقوم من اجلي حتى أكون أنا الذي انصرف “(رواه مسلم ).
الرسم:
روى مسلمٌ من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تِمْثَالُ طَائِرٍ، وَكَانَ الدَّاخِلُ إِذَا دَخَلَ اسْتَقْبَلَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَوِّلِي هَذَا، فَإِنِّي كُلَّمَا دَخَلْتُ فَرَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا(أخرجه مسلم في اللباس والزينة: ٢١٠٧، من حديث عائشة رضي الله عنها). وفي حديث البخاري من حديث أنسٍ رضي الله عنه قال: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لاَ تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلاَتِي(أخرجه البخاري في الصلاة: ٣٧٤ من حديث أنسٍ رضي الله عنه ) –
المفاهيم الكلية للمنظور الجمالي الاسلامى
يستند المنظور الجمالي الاسلامى إلى المفاهيم القرانيه الكلية:التوحيد والتسخير والاستخلاف.
مفهوم التوحيد: ينطلق المنظور الجمالي من اعتبار أن الجمال صفه الوهية: قال الرسول(صلى الله عليه وسلم) ” إن الله جميل يحب الجمال “( صحيح مسلم من رواية عبدا لله بن مسعود ج1، ص93 كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه باب 39. ومسنداً احمد عن أبي ريحان , ج4، ص133-134). وبالتالي فان أولى نتائج تطبيق مفهوم التوحيد (توحيد الإلوهية تحديداً) هو إفراد الجمال المطلق لله تعالى، اى أن المنظور الجمالي الاسلامى قائم ابتداء على التمييز بين المستوى المطلق للقيمة الجمالية، الذي ينفرد به الله تعالى، والمستوى المحدود لها ،الذي يختص به الإنسان.
الظهور الصفاتى والذاتي: وللجمال المطلق الذي ينفرد به الله تعالى شكلين من أشكال الظهور: ظهور ذاتي في الحياة الآخرة ،و ظهور صفاتي في الحياة الدنيا، يقول ابن القيم ( ومن أسمائه الحسني الجميل وفي الصحيح عنه ” إن الله جميل يحب الجمال ، وأتمهم معرفه من عرفه بكماله وجلاله وجماله سبحانه ليس كمثله شئ في سائر صفاته، ولو فرضت الخلق كلها على أجمل صورة وكلهم على تلك الصورة ونسبت جمالهم الظاهر والباطن إلى جمال الرب سبحانه لكان اقل من نسبة سراج ضعيف إلى قرص الشمس ، ويكفي في جماله انه لو كشف الحجاب لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره من خلقه) ()، كما أن للأخير شكلين:
أولا:شكل تكويني: يتمثل في الكون ” الموضوعي ” والفطرة ” الذاتية ” كمصدر للمستوى المحدود للقيمة الجمالية ، والدال على المستوى المطلق لها: قال تعالى ( والسماء الدنيا زيناها بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين )،وقال تعالى (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزينها ومالها من فروج ) (ق :6)،وقال تعالى( والخيل والبغال لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون “( النحل). يقول ابن القيم ( ويكفي في جماله تعالى أن كل جمال ظاهر وباطن في الدنيا والاخره فمن أثار صنعته )
ثانيا:شكل تكليفي: يتمثل في الوحي كدال على المستوى المطلق للقيمة الجمالية.
مفهوم التسخير: ومضمونه أن سائر الأشياء والظواهر التي لها درجة التسخير تظهر صفات الله تعالى (ومنها الجمال كصفة الإلوهية ) على وجه الإجبار، فهي بتضمنها للمستوى المحدود للقيمة الجمالية ،دائماً آيات داله على المستوى المطلق للقيمة الجمالية.هذا المستوى المحدود للقيمة الجمالية قائم على أن اى ظاهرة في الكون عبارة عن مجموعة من العلاقات التي تربط مفرداتها خلال تتابعها خلال الزمان،فالظاهرة الجمالية هي نسق ( مجموعة من العلاقات التي تربط مفرداتها سواء كانت ظاهرة جماليه كونية أو ظاهرة جمالية إنسانية الفن ) ، وهذا التعريف السابق يمكن أن نستخلصه من لفظ نسق في اللغة العربية ( النسق من كل شئ ما كان على طريقه نظام واحد عام في الأشياء يقال نسق الدر ونسق كتبه ونسق الكلام عطفه على بعضه ويقال جاء القوم نسقا وزرعت الأشجار نسقا) () وهو ما عبر عنه القرآن بمصلحات عدة كالوزن والتسوية والتقدير : ( والأرض مددناها والقينا فيها رواسي وانبتنا فيها من كل شئ موزون ) ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك ) (الانفطار 6-7)( إنا كل شئ خلقناه بقدر )( القمر 49).
مفهوم الاستخلاف: ومضمونه إظهار الإنسان لربوبية وإلوهيه الله تعالى في الأرض على وجه الاختيار، بالعبادة والعبودية،وهو ما يكون على المستوى الصفاتى، بإظهار صفات الله تعالى ( ومنها الجمال كصفة الإلوهية) ، اى أن مضمونه هنا إظهار الإنسان للمستوى المطلق للقيمة الجمالية في واقعة المحدود بالزمان والمكان على وجه الاختيار ، وهو ما يتحقق منهجيا عندما يتخذ الإنسان الجمال كصفه الوهيه قيمه مطلقه يسعى الإنسان لتحقيقها في الأرض، دون توافر له إمكانية التحقيق النهائي لها يقول الإمام الغزالي ( فان كمال العبد وسعادته في التخلق بأخلاق الله تعالى، والتحلي بمعانية وصفاته وأسمائه بقدر ما يتصور في حقه .. لان استعظام الصفة واستشرافها يتبعه الشوق إلى تلك الصفة ، وعشق لذلك الجلال والجمال، وحرض على التخلي بذلك الوصف إذا كان ذلك ممكنا… وبذلك يصير العبد ربانيا اى قريبا من الرب تعالى) (1) .
وللاستخلاف طبقا لهذا المستوى المنهجي وجهان:
وجه سلبي: يتمثل في تحرير الإنسان من إسناد المستوى المطلق للقيمة الجمالية لسوي الله تعالى، وعلى هذا الوجه يمكن أن نفسر النصوص التي فهم البعض منها تحريم بعض الفنون ،فالمقصود من هذه النصوص ليس تحريم المستوى المحدود للقيمة الجمالية كدال على المستوى المطلق لها، بل تحريم إسناد المستوى المطلق للقيمة الجمالية لسوي الله تعالى
الوجه الايجابي : يتمثل في أن إفراد المستوى المطلق للقيمة الجمالية لله تعالى ،يمد الفرد والمجتمع بإمكانيات غير محدودة للتطور الجمالي لأنه لا تتوافر لهما إمكانية التحقيق النهائي له فضلا عن تجاوزه .
الاباحه المقيدة للتصور الجمالي: لذا وردت جملة نصوص تفيد الاباحه المقيدة للتصور الجمالي إبداعا وتذوقا.
ا/التذوق الجمالي: فعن التذوق الجمالي وردت جملة نصوص تدل على الاباحه المقيدة:قال تعالى : ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين ، قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة )، وقال تعالى ) وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها )، وقال الرسول(صلى الله عليه وسلم) في حديث الاستسقاء (اللهم انزل علينا في أرضنا زينتها ) ( رواه البخاري وابو داؤود والنسائي وابن ماجه والدرامي واحمد ) وقال (صلى الله عليه وسلم) عن الخيل ” ستر و جمال للرجل يتخذها تكريما وتجميلا ” ( من حديث أبو هريرة رواه احمد ومسلم .) وقال مالك بن مرارة للرسول (صلى الله عليه وسلم) ( يا رسول الله قد قسم لي من الجمال ما ترى فما أحب احد من الناس فضلني بشركين فما فوقهما فليس هو ذلك الغي فقال (صلى الله عليه وسلم) (لا ليس ذلك بالبغي ولكن البغي من بطر الحق وغمط الناس )( رواه أبو داؤود واحمد ).
ب/الإبداع الجمالي:وعن الإبداع الجمالي وردت جمله نصوص تفيد الاباحه المقيده.ففي مجال الشعر ورد أن الرسول (ص) ” كان يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائماً يفاخر عن رسول الله (أخرجه البخاري تعليقا وأبو داؤود والترمذي والحاكم متصلاً من حديث عائشة) . وفي الغناء قالت عائشة (رض) ” دخل رسول (ص) وعندي جاريتان تغنيان بغناء فأضجع على الفراش وحول وجهه فدخل ابوبكر فانتهرني وقال مزامير الشيطان عند رسول الله فاقبل عليه رسول (ص) وقال دعمها فان اليوم عيد قال فغمزتهما فخرجتا ” (الصحيحتين ).وما هو معلوم من إنشاد النساء عند قدوم رسول الله (ص) المدينة ” طلع البدر علينا من ثنيات الوداع “( أخرجه البهيقي في دلائل النبوة من حديث عائشة متصلا). وفي النحت ورد قوله ” يعلمونه له ما يشاء من محاريب وتماثيل .. واعلموا ال داؤود شكرا فجعل عمل المحاريب والتماثيل نعمة من الله على سليمان وموجب للشكر وعن الدمى ” أن النبي (ص) قال لعائشة يوما ما هذا قالت بناتي فقال فما هذا الذي وسطهن قالت فرس قال ما هذا عليه قالت جناحان قال فرس له جناحان قالت أما سمعت انه كان لسليمان بن داؤد عليه السلام خيل لها أجنحة قالت فضحك رسول الله (ص) حتى بدت نواجذه ( رواه ابو داؤد بإسناد صحيح ).وفي الرقص الشعبي بلغة العصر في حديث ابي ظاهر وهب عن عائشة قالت :والله لقد رأيت رسول الله (ص) يقوم على باب حجرتي والحبشة للعيون بحرابهم في مسجد رسول الله (ص) وهو يسترني بثوبه لكي انظر إلى لعبهم ثم يقوم من اجلي حتى أكون أنا الذي انصرف “(رواه مسلم ).
تحديد لا إلغاء التصور الجمالي:ولا يترتب على الاستخلاف على الوجه السابق بيانه إلغاء تصور الإنسان للقيمة الجمالية، بل تحديده وذلك باتخاذ مقتضى صفة الجمال ضوابط موضوعيه مطلقة لتصوره القيمة الجمالية .
خصائص القيمة الجمالية في المنظور الجمالي الاسلامى : اما خصائص القيمة الجمالية بشكليها الذوقي والإبداعي فى المنظور الجمالي الاسلامى فهي:
التذوق الجمالي: ففيما يتعلق بالتذوق الجمالي فنلاحظ أن له بعدان موضوعي وذاتي وموقف يجمع بينهما .
ا/البعد الموضوعي :أما عن البعد الموضوعي فيتضمن الاتساق ، اى أن ظاهرة جمالية هي نسق اى مجموع من العلاقات التي تربط مفرداتها سواء كانت ظاهرة كونية او إنسانية (فنية) ، يقول الإمام الغزالي ( ونعني بالجمال ارتفاع القامة وتناسب الأعضاء وتناسق خلقة الوجه بحيث لا تنبوا الطباع عن النظر إليها )، ويقول ( وربما يظن انه لا معنى للحسن والجمال إلا تناسب الحلقة والشكل وحسن اللون)(). هذا الاتساق مصدره في المنظور الجمالي الاسلامى الظهور التكويني للمستوى المطلق للقيمةالجمالية اى للجمال كصفه ألوهية .
كما يتضمن هذا البعد المعايير التي تحدد للإنسان ما ينبغي أن يكون عليه الشئ او الظاهرة أو العمل الفني لنطلق عليه صفه جميل ، واستنادا إلى تمييز المنظور الاسلامى بين المستوى المطلق للقيمة الجمالية والمستوى المحدود لها يجب التمييز بين نوعيين من المعايير الجمالية: اولا:معايير مطلقة لا تخضع للتطور خلال الزمان او التغير في المكان، مصدرها مقتضى الجمال كصفة ألوهية ، كضوابط موضوعية مطلقة لتصور الإنسان المثل العليا” القيم “الجمالية ثانيا: معايير محدودة بالزمان والمكان وبالتالي تخضع للتطور والتغير مصدرها المجتمع .
ب/البعد الذاتي:أما البعد الذاتي للتذوق الجمالي فيتضمن التصور الذاتي للمثل الأعلى الجمالي. اى يتمثل في كون هذا النسق الموضوعي يجسد للإنسان المثل الأعلى الذي يتصوره الإنسان في الظاهرة الجمالية ، فالتصور ما هو إلا إعادة تشكيل ذات عناصر الواقع كما يدركه الإنسان في صورة جديدة . وقد أشار الغزالي إلى هذا البعد الذاتي بقوله ” الكمال اللائق بالشئ .”( .. كل شئ جماله في أن يحضر كماله اللائق به والممكن له … فالفرس الحسن هو الذي جمع كل ما يليق بفرس من هيئة وشكل ولون وحسن وعدو والحظ الحسن كل ما يليق بالحظ من تناسب الحروف وتوازيها واستقامة ترتيبها )() .مع ملاحظه أن الواقع يتميز بالتنوع وبالتالي فان جمال كل نوع يكون على نسق معين يجسد المثل الأعلى الذي يتصوره الإنسان في النوع المعين يقول الغزالي ( ولكل شئ كمال يليق به ، فحسن كل شئ فى كماله الذي يليق به ، فلا يحسن الإنسان بما يحسن به الفرس ..) (1).
ج/ الموقف الجامع: والموقف الجمالي يتمثل فئ كون هذا النسق الموضوعي (الظاهرة الجمالية ) يجسد المثل الأعلى المتصور للإنسان مما يؤدى إلى إثارة نوع من الانفعال ( تغيير نفسي عضوي ) ،يؤدى إلى اتخاذ موقف تجاه النسق أو الظاهرة هو الاستحسان . وإذا كانت الظاهرة مناقضة للمثل الأعلى الجمالي تؤدى إلى إثارة نوع معين من الانفعال يؤدى اتخاذ موقف تجاهها هو الاستقباح، ويعبر الإمام الغزالي عن ذلك الموقف بقوله (اعلم أن السمع هو أول الأمر ويثمر حالة في القلب تسمى الوجد ، ويثمر الوجد تحريك الأطراف إما بحركة غير موزونة فتسمى الاضطراب ، وأما موزونة فتسمى التصفيق والرقص) (2).
الإبداع الجمالي: غاية الإبداع الجمالي في المنظور الجمالى الاسلامى هي إظهار الجمال كصفه ألوهية ( اى المستوى المطلق للقيمة الجمالية )، في الأرض ( اى فى الواقع المحدود فى الزمان والمكان ) على وجه الاختيار ، باتخاذه الجمال كصفه ألوهية كقيمه مطلقه ،تحد الإبداع الجمالي – بما هو تصور للقيم الجماليه المحدودة بالزمان والمكان – ولا يلغيه، وذلك بان يتخذ الإبداع الجمالي مقتضى الجمال كصفه ألوهية التكويني والتكليفي ضوابط موضوعية مطلقة له.
التمييز بين الشكل والمضمون: غير انه يجب التمييز هنا بين الأفكار التي يريد ان يثيرها الإبداع الجمالي ، والتي يقال لها محرك العمل الفني (المضمون ) ، والأفكار التي يصوغها الإبداع الجمالي في العمل الفني ( الشكل ) .
المضمون: فالنوع الأول من الأفكار هي غاية الإبداع الجمالي وهي بالتالي التي تخضع للقاعدة السابقة، اى اتخاذ مقتضى صفة الجمال الإلهية التكويني والتكليفى كضوابط موضوعية مطلقة لها .ففيما يتعلق بمقتضاها التكويني فان هناك سنة إلهية نوعية تضبط حركة الإنسان وهي أن حركته تتم عبر ثلاث خطوات ( المشكلة ، الحل ، العمل ) ، وبناءا على هذا فان هذا النوع من الأفكار أنما تريد أن تثير فكرة مشكلة ، او فكرة حل ، آو فكرة عمل، أو أن تثير فكرة تتصل بالعلاقة بين هذه العناصر اى ( فكرة منهج ) () .أما فيما يتعلق بالمقتضى ألتكليفي للجمال كصفه ألوهية، فقد قررنا سابقا انه يتمثل فى مجموعة من القواعد التي تحدد للإنسان نوع المشاكل التي يواجهها، وطريقة العلم بها، ونمط الفكر الذي يصوغ هذه الحلول، ونمط العمل اللازم لتنفيذ الحل في الواقع . وبالتالي فان هذا النوع من الأفكار هي غاية الإبداع الجمالي ومضمونه يجب أن يكون محدودة بهذه القواعد.
التزام لا الزام: غير انه يجب تقرير أن كل ما سبق من حديث يقع في إطار الالتزام لا الإلزام، لان اتخاذ الله تعالى غاية مطلقة، واتخاذ صفة الجمال الإلهية، مثل اعلي مطلق يتعلق بالعبادة القائمة على الالتزام الذاتي لا الإلزام الموضوعي.فخضوع غاية الإبداع الجمالي لمقتضى صفة الجمال الإلهية التكويني والتكليفي يكون بعد الالتزام المبدع بالله تعالى كغاية مطلقة وصفة الجمال الإلهية كمثل اعلي مطلق .
الشكل: أما النوع الثاني من الأفكار التي هي وسيلة الإبداع الجمالي وشكله،والتي هي معادل موضوعي للأفكار الأولي ،فهي تشكيل خيالي غير قابل للوجود أصلا ،ولكل مبدع فنه الخاص في كيفية تركيب وترتيب مفردات الموضوع الجمالي .فالإبداع الجمالي على هذا الوجه لا يمكن ان يتطابق مع المقتضى التكويني لصفة الجمال الإلهية ( الواقع والسنن الإلهية التي تضبط حركته ) لأننا عندما نلزم المبدع ( بان تكون أدوات تعبيره مستمده من الواقع أو مطابقة لها لا نفعل أكثر من تحويله إلى رجل شرطة يكتب محاضر دقيقة ووافية بالأحداث المكلف برصدها) (1) . وهو الخطأ الذي وقعت فيه الواقعية الاشتراكية .
التمييز بين الفن الاسلامى والدعوة الاسلاميه: كما أن الإبداع الجمالي هنا لا يتطابق مع المقتضى ألتكليفي لصفة الجمال الإلهية (الشرع )، بمعنى انه ليس طرحاً مباشراً وحرفيا لقواعد الشرع ، لا بمعنى خروجه عن تلك القواعد ، لان هذا يدخل في إطار الدعوة (الإسلامية أو غيرها ) لا الفن (الاسلامي أو غيره ) وهنا وجه الخطأ الذي وقع فيه دعاة مذهب ( الواقعية الإسلامية ) في الفن الاسلامي .فهنا أيضا لا مجال للإلزام في الإبداع الجمالي من ناحية وسيلته وغايته ، ولا يعني هذا تحرره المطلق من كل التزام، بل أن هذا الالتزام يتحقق من حيث أن هذا النوع من الأفكار إنما هي معادل موضوعي للنوع الأول من الأفكار التي هي مضمون الإبداع الجمالي وغايته.
الظهور الذاتي للجمال الالهى المطلق في الحياة الاخره : والوجود في المنظور الوجودي الاسلامى غير مقصور على الوجود الشهادى (الحياة الدنيا) ، بل يمتد فيشمل الوجود الغيبي (المتضمن للحياة الأخر)، والحياة الآخرة في المنظور الاسلامى قائمة على ظهور ذاته تعالى، فهي قائمة على ظهور المستوي المطلق للقيمة الجمالية في درجة وجوده الذاتي ، وقد أشار ابن القيم إلى هذه الدرجة فقال (وجماله سبحانه على أربع مراتب ، جمال الذات وجمال الصفات وجمال الأفعال وجمال الأسماء. .. أما جمال الذات وما هو عليه فأمر لا يدركه سواه ولا يعلمه غيره ونسبته عند المخلوقات منه إلي تعريفات تعرف بها إلى من أكرمه من عباده فان تلك مضمون عن الاغيار محجوب بستر الرداء والإزار كما في قوله ” الكبرياء ردائي والعظمة إزاري )، وفى الحياة الأخر يكون جزاء الإنسان على إظهاره أو كتمانه لصفات الله تعالى ( ومنها الجمال كصفه الوهية ) ، ويشمل الجزاء بالإضافة إلى النعيم أو العذاب ، نصيب الناس من هذا الطهور الذاتي ” التجلي” إذ انه ليس شاملاً لجميعهم، فمن اظهر صفات الله تعالى ( ومنها صفة الجمال الإلهية ) ، كان له نصيب من هذا الظهور الذاتي ، ومن كتم صفات الله تعالى في الدنيا كان محجوبا عنه ، والناس يتفاضلون في درجات هذا الظهور أو الاحتجاب الذاتي في الآخرة كما تفاضلون في درجات إظهار أو كتمان صفات الله تعالى في الدنيا .
كما ورد وصف الجنة في القرآن والسنة بما يدل على الجمال المطلق، كما ورد وصف النار بما يدل على القبح المطلق قال تعالى( قل من حرم زينة الله تعالى التي اخرج لعباده والطيبات من رزق ، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة )( الأعراف : 32)، فالآية تشير إلى إباحة التمتع بالقيمة الجمالية المحدوده ” الزينة بالتعبير القرآني ” في الدنيا، وان المؤمنين سيستمتعون بالقيمة الجمالية المطلقة “الزينة الخالصة بالتعبير القرآني ” في الآخرة .
المراجع والمصادر
ابن القيم، بدائع الفوائد، القاهرة،ط 2، 1973.
أميره حلمي مطر،فلسفه الجمال، دار الثقافة،القاهرة، 1957.
الغزالي، إحياء علوم الدين، المجلد الثاني، دار المعرفة، بيروت ، بدون تاريخ
الغزالي، المقصد الاسنى، دار الكتب العلمية،بدون تاريخ.
زكريا إبراهيم، هيجل، مكتبه مصر، القاهرة 1967.
عصمت سيف الدولة، إعدام السجان، دار المسيرة،بيروت، 1975.
مصطفى عبد الرزاق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ، دار الكتاب المصري – دار الكتاب اللبناني، 2011م
صالح الشامي، الظاهرة الجمالية في القران، المكتب الإسلامي، بيروت 1978.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s