الحفاظ على الاستقرار كغايه للتشريع الاسلامى

الحفاظ على الاستقرار كغايه للتشريع الاسلامى

د. صبري محمد خليل
أستاذ مشارك (تخصص فلسفة القيم الاسلاميه) في جامعه الخرطوم

المقدمه

فرضيات الدراسة:
أولا: ان الحفاظ على الاستقرار هو احد الغايات الاساسيه للتشريع الاسلامى
ثانيا: ان التشريع الاسلامى وضع العديد من النصوص والقواعد لضمان الحفاظ على الاستقرار ثالثا: ان بعض المذاهب المعاصره لا تحقق غايات التشريع الاسلامى، لانها تتعارض مع الحفاظ على الاستقرار(وهى مذهبى التفسير السياسي للدين ، والغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة).
أهداف الدراسة:
تهدف الدراسة إلى التحقق من صحة فرضيات الدراسة ، من خلال بيان النصوص القواعد التى وضعها التشريع الاسلامى لتحقيق الاستقرار، ونقد المذاهب التى تتعارض مع الحفاظ على الاستقرار،وبيان كونها لا تحقق غايات التشريع الاسلامى.
المناهج المستخدمة في الدراسة:
المنهج النقدي:ويتمثل في بيان أوجه الصواب والخطأ في المذاهب التي تتناول المفاهيم محل الدراسة.
المنهج المقارن:ويتمثل في المقارنة بين المذاهب المتعدده التى تتناول المفاهيم محل الدراسة.
المنهج التاريخي: ويتمثل في بيان تطور المفاهيم محل الدراسة في مفهومها وتطبيقاتها.
أهميه الدراسة:
تكمن أهميه الدراسة في تناولها لقضيه هامه ومصيريه ، تتصل بقضيه الحفاظ على وجود الامه ذاتها ، وتاكيدها على ان الحفاظ على هذا الاستقرار هو احد الغايات الاساسيه للتشريع الاسلامى.
خطه الدراسه:
تبدأ الدراسه بتعريف المصطلحات ذات الصله بالتشريع الاسلامى وهى مصطلحات( الشريعه الاسلاميه والفقه والعقوبه والحد )، ثم تعرف الدراسه مفهوم الاستقرار ، ثم تبين أن الحفاظ على الاستقرار غايه للتشريع الاسلامى “أصل شرعي بمصطلح الاصوليين والفقهاء” استنادا إلى: أولا: النصوص، ثانيا: قواعد : ا/ الطاعة المقيدة لولى الأمر” الطاعة في المعروف” ، ب/ صلاح الدنيا شرط لصلاح الدين ، ج/ حفظ مقاصد الشرع الضرورية، د/ الحفاظ على الاستقرار مقدم على التغيير السياسي، ه /تحريم الخروج بالسيف ” التغيير المسلح”، ثم تعرض الدراسة مذهب أهل السنة في التوازن بين التغيير والاستقرار ، من خلال تقريره اولويه الإصلاح ،وربطه للتغيير بقاعدة سد الذرائع وفتحها ، وأخيرا تعرض الدراسة للمذاهب التي تتعارض مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعي وهى: أولا: مذهب التفسير السياسي للدين ، ثانيا: مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة.
اولا: مصطلحات متصله بالتشريع الاسلامى(الشريعه، الفقه، العقوبه، الحد): لايمكن تعريف التشريع الاسلامى الا بتعريف المصطلحات ذات الصله به ، وهى مصطلحات:
أولا: مصطلح الشريعة: لمصطلح الشريعة دلاله دلالتين:
أولا: دلاله أصليه: وهي تشمل العبادات والمعاملات بنوعيها: المعاملات الفردية من أحوال شخصية ومعاملات الفرد من بيع وأجاره ورهن وكفالة… والمعاملات التي تنظم العلاقة بين الأفراد في الجماعة، وتشمل القواعد الكلية التي تستند إليها النظم الاقتصادية السياسية القانونية… ويقول ابن تيميه(و إلا فالشريعة جامعة لكل ولاية وعمل فيه صلاح الدين والدنيا، والشريعة إنما هي كتاب الله وسنة رسوله، وما كان عليه سلف الأمة في العقائد والأحوال والعبادات والأعمال والسياسات والأحكام والولايات والعطيات‏…)‏ ( ).
ثانيا: دلاله تبعية : وهي تعنى النظام القانوني الاسلامى وما يتضمنه من نوعين من أنواع القواعد القانونية : القواعد – الأصول، ممثله في القواعد الآمرة أو الناهية،و التي عبر عنها القران بمصطلح ” الحدود “. و القواعد -الفروع، التي محلها الفقه في الإسلام يقول ابن تيميه ( ثم هي مستعملة في كلام الناس على ثلاثة أنحاء‏:‏ شرع مُنَزَّل، وهو‏:‏ ما شرعه الله ورسوله‏.‏ وشرع مُتَأَوَّل، وهو‏:‏ ما ساغ فيه الاجتهاد‏.‏ وشرع مُبَدَّل، وهو‏:‏ ما كان من الكذب والفجور الذي يفعله المبطلون بظاهر من الشرع، أو البدع، أو الضلال الذي يضيفه / الضالون إلى الشرع‏.‏ والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم)( )
ثانيا: التمييز بين التشريع (الشريعة) و الاجتهاد (الفقه) : ميز الإسلام بين:
أولا:التشريع: اى حق وضع القواعد القانونية التي لا تخضع للتغير والتطور مكانا وزمانا، وبالتالي لا يباح تجاوزها، والتي اسماها الفقهاء والاصوليون الأصول،والتي تسمي في علم القانون بقواعد النظام العام، والتشريع ينفرد به الله تعالى ﴿ شرع لكم من الدين ما وصينا بة نوح والذي أوحينا إليك ﴾
ثانيا:الاجتهاد: وهو سلطة وضع القواعد القانونية التي تخضع للتطور والتغير زمانا ومكانا، وبالتالي يباح للناس تجوزها بإلغائها أو تعديلها،والتي أطلق عليها الفقهاء والاصوليون الفروع،هذه القواعد محلها الفقه في الإسلام .
ثالثا: مصطلح العقوبة:
تعريف العقوبة:
لغة:العقوبة لغة هي الجزاء على الذنب، ورد في لسان العرب)العقاب والمعاقبة هي أن تجزى الرجل بما فعل سوءاً والاسم العقوبة، وعاقبه بذنبه معاقبة وعقابا أخذ به) ( ) .
اصطلاحا: وأما العقوبة اصطلاحا فلها دلالتين:
دلالة قانونية(تكوينيه): وهى الجزاء على مخالفه مجموعه القواعد القانونية التي تشكل النظام القانوني،والمتضمن فيها، والذي تقوم في المجتمع سلطه لها حق إيقاعه على مخالفتها، وضمان نفاذ القانون ولو بالقوة.
دلاله شرعيه(تكليفيه): وهى الجزاء على خرق النظام القانوني الاسلامى،ولما كان هذا النظام القانوني يتضمن نوعين من أنواع القواعد القانونية : القواعد – الأصول، ممثله في القواعد الآمرة أو الناهية،و التي عبر عنها القران بمصطلح ” الحدود “، و القواعد -الفروع ،التي محلها الفقه في الإسلام ، فان للجزاء هنا أيضا نمطين: الاول هو الذي ورد في النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، وهو مثل كل أحكام الإسلام ، قائم على ما يحقق مصالح البشر في كل زمان ومكان ، أو حماية المصالح في كل الظروف الثابتة، ، وذلك بالزجر الكافي والمناسب ً للمحافظة على قوة الإلزام في القواعد – الحدود (العقوبات الحدية). والثاني هو اجتهاد في تقدير الجزاء الكافي والمناسب على خرق القواعد -الفروع ، وفيما يؤكد نفاذ هذه القواعد،ويحمي المصالح في كل الظروف المتغيرة (عقوبات التعزير) .يقول الماوردي ( الحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر، وترك ما أمر ،لما في الطبع من مغالبة الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذة ، فجعل الله تعالى من زواجر الحدود ما يردع به ذا الجهالة حذرا من ألم العقوبة ،وخيفة من نكال الفضيحة، ليكون ما حظر من محارمه ممنوعا، وما أمر به من فروضه متبوعا، فتكون المصلحة أعم والتكليف أتم ) () .ويقول ابن تيميه ( العقوبات الشرعية إنما شرعت رحمة من الله تعالى لعباده، فهي صادرة عن رحمة الخلق وإرادة الإحسان إليهم , ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة بهم، كما يقصد الوالد تأديب ولده وكما يقصد الطبيب معالجة المريض)().
رابعا: مصطلح الحد : الحَدُّ لغة الفصل بين الشيئين لئلا يختلط أَحدهما بالآخر أَو لئلا يتعدى أَحدهما على الآخر، وجمعه حُدود.وفصل ما بين كل شيئين: حَدٌّ بينهما (لسان العرب)
أما اصطلاحا فان لمصطلح دلالتين:
أولا: دلاله أصليه: هي القواعد الآمرة أو الناهية التي لا يباح مخالفتها.وقد وردت الكلمة بمعني القاعدة الآمرة كما في قولة تعالي﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ﴾ ( البقرة: 229) ، كما وردت بمعني القاعدة الناهية كما في قولة تعالي ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾.(البقرة187) وسميت حدودا لأنها فوارق بين الحلال والحرام وبالتالي لا يباح مخالفتها، ورد في لسان العرب(وحُدُود الله تعالى: الأَشياء التي بيَّن تحريمها وتحليلها، وأَمر أَن لا يُتعدى شيء منها فيتجاوز إِلى غير ما أَمر فيها أَو نهى عنه منها، ومنع من مخالفتها…) ()، وليس النظام القانوني الاسلامى بدعا في النظم القانونية، في القول بالقواعد -الحدود ، إذ لا يمكن ان يوجد مجتمع بدون نظام قانوني، و لا يوجد نظام قانوني بغير حدود، تسمى في علم القانون قواعد النظام العام، لأنها الحل الوحيد للتناقض الدائم بين وحده المجتمع وتعدد الناس فيه ، وهى مجموعه من القواعد لها خصائص قواعد النظام الأخرى(عامه مجرده ملزمه)، إنما تتميز بأنها غير مباح مخالفتها او الاتفاق على مخالفتها، وبالتالي تصلح مميزا للنظام عن غيره ،ويحمل اى نظام اسم مصدره الفكري او العقائدي( نظام ليبرالي او ماركسي او اسلامى…) بمعنى ان تلك المذاهب او العقائد هي مصدر تلك القواعد – الحدود، ومثالها الحرية الفردية التي منحها للإنسان” القانون الطبيعي” في الليبرالية، أو “الملكية الجماعية” لوسائل الإنتاج في الماركسية…إذا وجه الخلاف بين النظام القانوني الاسلامى وغيره من النظم القانونية ، ليس في إنكار أو إقرار هذه القواعد – الحدود ، بل في مصدرها ، إذ أن مصدرها في النظام القانوني اسلامى هو الإسلام.()
ثانيا: دلاله تبعية: أما دلالته التبعية الأولى فهي العقوبات المقدرة ، اى الجزاء على خرق القواعد الآمرة أو الناهية،و التي عبر عنها القران بمصطلح ” الحدود “،و الذي ورد في النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، يقول ابن تيمية” أما تسميه العقوبة المقدرة حدا فهو عرف حادث().وورد في لسان العرب (قال الأَزهري: فَحُدود الله، عز وجل، ضربان: ضرب منها حُدود حَدَّها للناس في مطاعمهم ومشاربهم ومناكحهم وغيرها مما أَحل وحرم وأَمر بالانتهاء عما نهى عنه منها ونهى عن تعدّيها، والضرب الثاني عقوبات جعلت لمن ركب ما نهى عنه كحد السارق وهو قطع يمينه في ربع دينارِ فصاعداً… سميت حدوداً لأَنها تَحُدّ أَي تمنع من إِتيان ما جعلت عقوبات فيها، وسميت الأُولى حدوداً لأَنها نهايات نهى الله عن تعدّيها)( ). ومنعا للخلط فإنه من الأفضل ان يطلق على هذه الدلالة التبعية لمصطلح الحدود اسم عقوبات الحدود او العقوبات الحدية.أما الدلالة التبعية الثانية لمصطلح الحدود فهي الجرائم المقدرة ، اى ذات الفعل الذى يخرق القواعد الآمرة أو الناهية،و التي عبر عنها القران بمصطلح ” الحدود “، و الذي ورد جزاء محدد عليه في النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، وقد وردت الاشاره إلى هذه الدلالة في الحديث( إِني أَصبت حدّاً فأَقمه عليّ ). ومنعا للخلط فإنه يفضل ان يطلق على هذه الدلالة التبعية لمصطلح الحدود اسم جرائم الحدود او الجرائم الحدية.
ثانيا:الحفاظ على الاستقرار كغايه للنشريع الاسلامى:
تعريف مفهوم الاستقرار :
لغة :
الاستقرار لغة يفيد معاني الثبات والإقرار والسكن ، ورد في معجم المعاني الجامع (… اِسْتَقَرَّ سُكَّانُ الصَّحْراءِ : ثَبَتُوا في مَكانِهِمْ بَعْدَ تَرْحالٍ ، هوَ لاَ يَسْتَقِرُّ على حالٍ : لاَ يَثْبُتُ على وَجْهٍ وَلا على قَرارٍ، اِسْتَقَرَّ رَأْيُهُ على السَّفَرِ : أَقَرَّ رَأْيُهُ ، رَضِيَهُ ، أَمْضاهُ ، استَقَرَّ بالمكان : تمكَّنَ وسَكَنَ). ومن مرادفات كلمة استقرار : إقامَة, دَوَام ، سُكُون ، تَحَقّق , سَكِينَة ، طُمَأْنِينَة, هُدُوء. ومن أضدادها: تجوالٌ , تَرْحالٌ , سَفَرٌ , هجْرَةٌ , اضْطِراب , هِيَاج , حَرَكَةٌ…
اصطلاحا:
أما اصطلاحا فقد تعددت تعريفات المفهوم بتعدد الفلسفات ومناهج المعرفة المستخدمة في تعريفه، فهناك مذهب يعرف الاستقرار بما يفيد معنى الإبقاء على الواقع كما هو كائن ، بالتالي رفض تغييره إلى ما ينبغي أن يكون ، وهذا التعريف رغم انه يتصل بمعنى الاستقرار اللغوي ، إلا انه يتعارض مع الحركة و التغير كسنن إلهيه كليه ، تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة ” المسخرة “، والإنسان” المستخلف ” . أما التعريف الذى نأخذ به فهو تعريفه بأنه : انتظام حركه المجتمع في أنماط معينه ، على وجه يتسق مع السنن الالهيه الكلية والنوعية، التي تضبط حركه المجتمع ، وهو ما يتحقق من خلال المشاركة وينتفي في حاله الصراع ، وطبقا لهذا التعريف فان الثبات الذي يوصف به الاستقرار ليس ثبات موضوعي مطلق – لأن القول بذلك يلغى سنن الحركة والتغير – بل هو ثبات ذاتي نسبى ، اى إحساس بالثبات نتيجة لانتظام حركه المجتمع ، واتساق هذا الانتظام مع السنن الالهيه التي تضبط حركته .. وللاستقرار مقاييس متعددة – تحدد الأنماط المتعددة له – ومن هذه المقاييس : المقياس القانوني ، و الذى مضمونه اتساق علاقات الناس مع القانون ، والمقياس السياسي والذي مضمونه الحفاظ على وحده الوطن وسلامه أراضيه وسيادة شعبه على أرضه …
الحفاظ على الاستقرار أصل شرعي :
و الحفاظ على استقرار المجتمع المسلم بأشكاله المتعددة “القانونية و السياسية والاجتماعية والاقتصادية ..” أصل شرعي أوجبته الكثير من النصوص ، وأسست له الكثير من القواعد:
أولا: النصوص:
فقد أوجبت الكثير من النصوص الحفاظ على الاستقرار :
ا/ في القران الكريم :
أشار القران الكريم إلى أن من موجبات عباده الله تعالى انه تعالى انعم على الناس بنعمه الاستقرار – التي عبر عنها القران هنا بمصطلح “امنهم من خوف”، قال تعالى ( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) (قريش:3-4) .
كما تنبأ القران الكريم باستخلاف الامه الاسلاميه ، وان هذا الاستخلاف سيتضمن تحقيق الاستقرار للمسلمين- والذي عبر عنه القران هنا بمصطلح” ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا” – قال تعالى (وَعَدَ للَّهُ الَّذِينَ امنوا مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأرْضِ كَمَا سْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي أرتضىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) [النور:55].
كما أشار القران الكريم إلى أن غياب الاستقرار هو عقاب الهي للكفر بالنعمة، قال تعالي(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ) ( النحل :112).
كما حدد القران الكريم عقوبة حديه معينه، _لمن يهدد استقرار المجتمع المسلم، قال تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (المائدة الآية 33) .
ب/ في السنة النبوية :
أشارت السنة النبوية إلى أن الاستقرار نعمه إلهيه كبرى قال الرسول( صلى الله عليه وسلم )(من أصبح آمناً في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها)( رواه الترمذي في سننه).
كما كان الرسول (صلى الله عليه وسلم ) يدعوا الله تعالى أن يديم هذه النعمة ، فقد روى الإمام أحمد في مسنده أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم) كان إذا رأى الهلال قال( اللهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلامَةِ وَالْإِسْلامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ )،
كما نهت السنة النبوية عن كثير من الممارسات السالبة ، التي تؤثر سلبا على استقرار المجتمع المسلم كحمل السلاح وترويع الآمنين ، قال (صلى الله عليه وسلم) (من حمل علينا السلاح فليس منا) (رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما)، وقال (صلى الله عليه وسلم ) ( لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا).
ثانيا: القواعد :
كما أسست الكثير من القواعد للحفاظ على الاستقرار كأصل شرعى :
ا/ الطاعة المقيدة لولى الأمر” الطاعة في المعروف” :
من القواعد التي أسست للحفاظ على الاستقرار قاعدة الطاعة المقيدة لولى الأمر أو الطاعة في المعروف، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (النساء: 59). يقول الإمام ابن تيمية ( نزلت هذه الآية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا ولاة الأمر الفاعلين في ذلك في قسمهم، و مغازيهم، وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ).
ب/ الاستقرار شرط لتطبيق النظام الاسلامى “قاعدة النهى عن اقامه الحد وقت الغزو”:
ومن القواعد التي أسست للحفاظ على الاستقرار قاعدة “النهى عن اقامه الحد وقت الغزو” والتي تدل على أن الاستقرار هو احد شروط تطبيق النظام القانوني الاسلامى ، وهذه القاعدة تستنبط من أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم) لم يقم حدا قط في غزو، بدليل ما رواه بسر بن ارطاه من انه وجد رجلا يسرق فجلده ولم يقطع يده وقال: نهانا الرسول عن القطع في الغزو، و روى عن عمر النهى عن اقامه الحد وقت الغزو ، و قرر الأكثرون انه لا يقام الحد على المحارب أثناء الحرب خشيه ان يلحق بالأعداء ( .)
ج/ صلاح الدنيا شرط لصلاح الدين :
ومن القواعد التي تؤسس للحفاظ على الاستقرار، القاعدة التي تقرر أن صلاح الدنيا شرط لصلاح الدين ، والتي ذكرها الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه ” الاقتصاد في الاعتقاد ” حيث يقول ( إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، فنظام الدين، بالمعرفة والعبادة، لا يتوصل إليهما إلا بصحة البدن، وبقاء الحياة وسلامة قدر الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن، فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية، وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة وطلب قوته من وجوه الغلبة، متى يتفرغ للعلم والعمل، وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة؟ فإذن: إن نظام الدنيا، أعني مقادير الحاجة، شرط الدين)، فطبقا لهذه القاعدة فان الحفاظ على وجود المجتمع – والذي يرتبط باستقراره – سابق على تنظيمه طبقا لقواعد الدين .
د/ حفظ مقاصد الشرع الضرورية:
والحفاظ على الاستقرار يتصل اتصالا وثيقا ببعض مقاصد الشرع الخمسة الضرورية التي قررها العلماء وهى “حفظ الدين والنفص والمال والنسل” ،يقول ألشاطبي (تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام:أحدها: أن تكون ضرورية.والثاني: أن تكون حاجية.والثالث: أن تكون تحسينية.فأما الضرورية: فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين… ومجموع الضروريات خمس وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل) ( ).ويقول الغزالي(ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم؛ فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ورفعها مصلحة.وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح)( ). ، حيث يرتبط الحفاظ على الاستقرار على الأقل بمقصدين من هذه المقاصد الضرورية وهى حفظ النفس والمال.
ه/ الحفاظ على الاستقرار مقدم على التغيير السياسى:
ومن القواعد التي تؤسس للحفاظ على المجتمع قاعدة “ستون سنة من إمام جائر؛ خير من ليلة واحدة بلا إمام ” ، والتي أشار إليها الإمام ابن تيميه في قوله (فإن الملك الظالم لا بد أن يدفع الله به من الشر أكثر من ظلمه، وقد قيل: ستون سنة من إمام ظالم؛ خير من ليلة واحدة لا إمام… )، وقوله أيضًا(ومن المعلوم: أن الناس لا يصلحون إلا بولاة، وأنه لو تولى من هو دون هؤلاء – يعني بني أمية وبني العباس – من الملوك الظلمة؛ لكان ذلك خيرًا من عدمهم، كما يقال: ستون سنة من إمام جائر؛ خير من ليلة واحدة بلا إمام … ) فهذه القاعدة تشير إلى أن وجود نظام جائر أفضل من عدم وجود اى نظام على الإطلاق ، وبالتالي دخول المجتمع في حاله من الفوضى وغياب الاستقرار وهى بهذا لا تفيد معنى لا تفيد معنى الدفاع عن النظم الاستبدادية كما يتصور البعض، بل تؤكد على أن الحفاظ على وجود المجتمع – بالحفاظ على استقراره – سابق على تغييره ،دون أن يلغى ذلك السعي لتغيير النظام الجائر، لكن طبقا لضوابط واليات تضمن الحفاظ على استقرار المجتمع .إذا هذه القاعدة لا تبرر الاستبداد بل تشير إلى الدولة كضرورة اجتماعيه ،وهو الأمر الذى ما اتفقت عليه كل المذاهب الاسلاميه ما عدا الخوارج النجدات، كما اتفقت عليه كل مذاهب الفكر السياسي الحديث والمعاصر ماعدا المذهب الفوضوي أو مذهب اللا دوله .
و/تحريم الخروج بالسيف ” التغيير المسلح”:
ومن القواعد التي تؤسس للحفاظ على الاستقرار قاعده تحريم الخروج بالسيف، اى التغيير باستخدام القوه المسلحة ، والتي اجمع عليها علماء أهل ألسنه ، يقول الإمام ابن تيمية (وأما أهل العلم والدين والفضل؛ فلا يرخّصون لأحدٍ فيما نهى الله عنه:من معصية ولاة الأمور، وغشهم، والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عُرِف من عادات أهل السنة والدين قديمًا وحديثًا، ومن سيرة غيرهم) ()، ويقول أيضًا (فلهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة: لزوم الجماعة، وترْك قتال الأئمة في الفتنة، وأما أهل الأهواء – كالمعتزلة – فيرون القتال للأئمة من أصول دينهم)()،ويقول الإمام النووي (وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام بإجماع المسلمين – وإن كانوا فسقة ظلمة – وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق) ( )، ويقول الإمام الأشعري ( وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى أن كل مَنْ ولي شيئًا من أمورهم عن رضي أو غلبة، وامتدت طاعته – مِنْ برٍّ وفاجر – لا يلزم الخروج عليه بالسيف جارَ أو عَدَل، وعلى أن يُغْزا معه العدو، ويُحَجَّ معهم البيت، وتُدْفع إليهم الصدقات إذا طلبوها، ويُصَلَّى خلفهم الجُمَع و الأعياد) ( )، ويقول الصابوني (ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم، برًّا كان أو فاجرًا، ويرون جهاد الكفار معهم، وإن كانوا جَوَرة فَجَرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح، والتوفيق، والصلاح، وبَسْط العدل في الرعية، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف… )( ). أما إذا كان المقصود بالخروج التغيير السلمي ، فان حكمه يتغير بحسب ما يفضى إليه ، حسب قاعدة سد الذرائع وفتحها كما سنبين لاحقا .
أهل السنة والتوازن بين التغيير والاستقرار : وقد حاول أهل السنة تحقيق توازن بين الاستقرار والتغيير من خلال القواعد التالية :
اولويه الإصلاح :
فقد اجمع أهل السنة على الأخذ بالإصلاح كنمط تغيير تدريجي جزئي، يقوم على آليات شرعيه متعددة كالتقويم والنصح ، باعتباره نمط التغيير الاصلى ، يقول الباقلاني بعدما ذكر فسق الإمام و ظلمه وعدم جواز خلعه بالسيف(… بل يجب وعظه و تخويفه ، و ترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله)(التمهيد 186).
منع وإيجاب الثورة استنادا إلى قاعدة سد الذرائع وفتحها: ولكن علماء أهل السنة ، اختلفوا في حكم الثورة كنمط تغيير فجائي كلى( والتي عبروا عنها بمصطلح خلع السلطان الجائر) ، إلى مذهبين :
المذهب الأول: المنع: يقول الإمام ابن تيمية ( والصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة)( ) .
المذهب الثاني: الاباحه: ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي ().
الاستناد إلى قاعدة سدا لذرائع وفتحها:
ومن الواضح أن الحكم بالمنع أو الإيجاب في المذهبين مبنى على قاعدة سدا لذرائع وفتحها يقول القرافي ( اعلم أنَّ الذريعة كما يجب سدّها ، يجب فتحها وتكره وتندب وتباح ؛ فإن الذريعة هي الوسيلة ، فكما أنَّ وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة ؛ كالسعي للجمعة والحج ) ( ) ، فالمذهب الأول قال بالمنع سدا للذرائع ، اى ترجيحا للمفسدة المترتبة على خلع الحاكم الظالم – وهى هنا غياب الاستقرار- على المصلحة المتحققة من خلعه، وقال المذهب الثانى بالإيجاب فتحا للذرائع ،اى ترجيحا للمصلحة المتحققة من خلع الحاكم الظالم على المفسدة التي قد تلزم من خلعه. ويمكن الجمع بين المذهبين بالقول بان الحكم بالمنع أو الإيجاب أنما يكون طبقا لرجحان المفسدة التي قد تلزم من خلع الحاكم الظالم ، أو المنفعة التي قد تتحقق من ذلك ، وبالتالي الحكم بالمنع – على درجاته من كراه او تحريم – حسب درجه المفسدة التي قد تلزم من ذلك” ومن هذه المفاسد غياب الاستقرار”، والحكم بالإيجاب -على درجاته من اباحه واستحباب ووجوب- حسب درجه المصلحة التي قد تتحقق من ذلك، وهذه المصلحة لا تتحقق إلا بالتزام بجمله من الضوابط الشرعية كالوحدة ونبذ التفرق ونبذ العنف إلا في حاله الدفاع عن النفس .. فالحكم بالإيجاب يقتصر على الثورة التي تتبع أساليب التغيير السلمية، ولا يتعداه إلى الثورة التي تتبع أساليب التغيير المسلح،لان هذه الأساليب تتعارض مع إجماع علماء أهل السنة على تحريم ” الخروج بالسيف ” كما سبق الاشاره إليه ….
المذاهب التي تتعارض مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعي :
ورغم أن الحفاظ على الاستقرار أصل شرعي ، أوجبته كثير من النصوص، وأسست له كثير من القواعد الشرعية، إلا انه قد ظهر في الفكر السياسي الاسلامى الحديث والمعاصر ، بعض المذاهب التي تتعارض مع تقرير أن الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعي الأصل الشرعي، ومن هذه المذاهب :
اولا: مذهب التفسير السياسي للدين :
من هذه المذهب مذهب “التفسير السياسي للدين” – الذي يعبر عنه البعض – خطاْ – بمصطلح ” الإسلام السياسي” – ، وهو مذهب يقوم على محاوله إثبات علاقة بين الدين والدولة، لكنه يتطرف في هذا الإثبات إلى درجه جعل العلاقة بينهما علاقة تطابق و خلط ، وليست علاقة ارتباط ووحده ، ومرجع هذا التطرف أن هذا مذهب ظهر في المجتمعات المسلمة ، في العصور الحديثة والمعاصرة ، كرد فعل على الليبرالية والتي باستنادها إلى العلمانية ، القائمة على فصل الدين عن الدولة، نفت اى علاقة للدين بالدولة . وهذا المذهب يتعارض في ذاته” اى المفاهيم التي يستند إليها ” ، وفيما يلزم منه ” اى المفاهيم التي يلزم منه “مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعى :
ا/الامامه” السلطة” أصل من أصول الدين : ففيما يتعلق بهذا المذهب في ذاته ” اى المفاهيم التي يستند اليها” نجد انه يستند إلى القول بأن الامامه” بمعنى السلطة” أصل من أصول الدين وليست فرع من فروعه، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة في الامامه ، والقائم على أن الامامه هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله-خلافا للمذهب الشيعي – يقول الإيجي ( وهي عندنا من الفروع ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا ) (المواقف : ص 395) ، أما الأقوال الواردة عن علماء أهل السنة عن وجوب نصب إمام تتحدث عن نصب الأمام في كل زمان ، وليس نصب الإمام في زمان معين اى تتعلق بالدولة وليست بالسلطة ، فمفهوم الدولة اشمل من مفهوم السلطة ، ذلك أن أركان الدولة هي الشعب والأرض والسلطة، ، يقول الإيجي ( نَصْبُ الإمام عندنا واجبٌ علينا سمعاً…وقال : انه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبي ? على امتناع خلو الوقت عن إمام، حتى قال أبو بكر ” رضي الله عنه ” في خطبته” ألا إن محمداً قد مات، ولا بدَّ لهذا الدين ممن يقوم به ” ، فبادر الكل إلى قبوله، وتركوا له أهم الأشياء، وهو دفن رسول الله ، ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى زماننا هذا مِنْ نَصْب إمام متَّبَع في كل عصر…)(المواقف ، ص 395 )،اتساقا مع تقرير علماء أهل السنة أن الامامه – بمعنى السلطة – هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله ، وأن قولهم بوجوب نصب إمام يتصل بالدولة وضرورتها الاجتماعية، ولا يتعلق بالسلطة، فقد قرر علماء أهل السنة أن الوجوب هنا هو وجوب كفائي لا عيني، اى أن نصب الإمام فرض كفاية لا فرض عين خلافا لمذهب الشيعي القائل أنها فرض عين ، يقول الماوردي ( فإذا ثبت وجوبها ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم، فإذا قام بها من هو من أهلها سقط ففرضها على الكفاية..)( الأحكام السلطانية: ص 5) ، ويقول الإمام النووي: (تولي الإمامة فرض كفاية ، فإن لم يكن من يصلح إلا واحد تعين عليه ، ولزمه طلبها إن لم يبتدؤه، هذا إذا كان الدافع له الحرص على مصلحة المسلمين ، وإلا فإن من شروط الإمام ألا يطلبها لنفسه كما سيأتي في الشروط) (روضة الطالبين :10/43). وهذا القول يتعارض مع تقرير ان الحفاظ على الاستقرار أصل شرعى ، لأنه يقوم على أن السلطة”وما يتصل بها من تغيير سياسي ” هي أصل من أصول الدين ، بالتالي يجب ان يقدم على ما سواه من فروع الدين ومنها الحفاظ على الاستقرار.
ب/ اباحه الاختلاف على مستوى أصول الدين : كما أن هذا المذهب يلزم منه الكثير من المفاهيم ، التي يتعارض بعضها مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعى، ومن هذه المفاهيم اباحه الاختلاف ” التعدد “على مستوى أصول الدين:وهو ما يتناقض مع ما قررته النصوص ، من النهى عن الاختلاف ،على مستوى أصول الدين ،التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة : يقول تعالى( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية (104). ولا شك ان التفرق الناتج عن الاختلاف على مستوى أصول الدين مهدد اساسى لاستقرار المجتمع المسلم ، لذا اعتبر الإمام ابن تيميه أن التفرق من أعظم الشرور والفتن (وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان، فقد يذنب الرجل أو الطائفة ويسكت آخرون عن الأمر والنهي، فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر عليهم آخرون إنكارا منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم، فيحصل التفرق والاختلاف والشر، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديما وحديثا) .
ثانيا: مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة:
ومن هذه المذاهب مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة وهو مذهب يقوم على بدعيتين بينهما علاقة تلازم، البدعة الأولى هي الغلو في التكفير ، ويلزم منها البدعة الثانية وهى استحلال الدماء المحرمة ” كدماء المسلمين وأهل الذمة والمعاهدين وغير المقاتلين من الكفار..”، فهو مذهب يقوم على الإطلاق البدعى لمفهومي التكفير والقتال ، من خلال عدم الالتزام بضوابطهما الشرعية ، وهو مذهب يفارق مذهب أهل السنة- الذي يمثل الفهم الصحيح للإسلام – لأنه يقوم على الضبط الشرعي لهذين المفهومين ، من خلال الالتزام بضوابطهما الشرعية .ويتمثل هذا المذهب في ماضي الامه في مذهب الخوارج الذي يقوم على الإطلاق البدعى للتكفير والقتال، من خلال عدم الالتزام بضوابط التكفير والقتال الشرعية….كما يتمثل هذا المذهب في حاضر الامه في مذهب أهل الغلو في التكفير والقتال ، الذي يلتقي مع مذهب الخوارج في الإطلاق البدعى للتكفير والقتال، ويفارق مذهب أهل السنة القائم على الضبط الشرعي للمفهومين، وقد أشار الإمام ابن تيميه إلى هذا الالتقاء بين أهل الغلو الخوارج في الإطلاق البدعى للتكفير والقتال، حيث يقول في وصف الخوارج (ولهم خاصيتان مشهورتان فارقوا بها جماعه المسلمين وأئمتهم ، احدهما خروجهم من عن السنة ، وجعلهم ما ليس بسيئة سيئة، و ما ليس بحسنه حسنه.. الفرق الثاني: في الخوارج وأهل البدع أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات ، ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم، وان دار الإسلام دار حرب ودارهم هي دار إيمان ،وكذلك يقول جمهور الرافضة وجمهور المعتزلة والجهميه، وطائفة من غلاه المنتسبين إلى أهل الحديث والفقه ومتكلميهم… فينبغي على للمسلم أن يحذر من هذين الأصلين الخبيثين ،وما يتولد عنهما من بغض المسلمين وذمهم ولعنهم واستحلال دمائهم وأموالهم)( (
وقد اجمع علماء أهل السنة ،على كون مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المعصومة – الذي مثله في عصرهم الخوارج – مذهب بدعي ضال ، وانه يجب قتال أصحابه في حال تطبيقهم لمذهبهم في استحلال الدماء المعصومة ، يقول الإمام ابن تيمية (َإِنَّ ْأُمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَمِّ الْخَوَارِجِ وَتَضْلِيلِهِمْ … ) ( ) . والإطلاق البدعى للقتال، بعدم الالتزام بضوابطه الشرعية ، يخرجه من دائرة الجهاد ، ويدخله في دائرة الهرج ، الذي تنبأت العديد من النصوص بأنه سيكثر آخر الزمان ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي (صلى الله عليه وسلم ) ( لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم ، وتكثر الزلازل ، ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج – وهو القتل القتل – حتى يكثر فيكم المال فيفيض) (صحيح البخاري – كتاب الجمعة- أبواب الاستسقاء – باب ما قيل في الزلازل والآيات- حديث1002). كما ان القتال الذى مفسدته أكثر من مصلحته ليس جهادا بل قتال فته كما قال الإمام ابن تيميه (أن القتال إذا كانت مفسدته أكبر من مصلحته: فهو قتال فتنة…). وبناء على ما سبق فان مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء يتعارض مع الحفاظ على الاستقرار كأصل شرعى لأنه يلزم منه الهرج ” القتال دون الالتزام ضوابطه الشرعية، وقتال الفتنه ” القتال الذى مفسدته اكبر من مصلحته “وكلاهما مهدد اساسى لاستقرار المجتمع المسلم .
ثالثا: مفاهيم ذات صله بالحفاظ على الاستقرار:
ا/ مفهوم سيادة القانون :
تعريف المفهوم:
لا يمكن تعريف مفهوم سيادة القانون إلا بالتمييز بين تفسيرين له:
الأول :التفسير الشكلي:
ويتعلق بوجود القانون ذاته . و قد حدد فقهاء القانون شروط هذا التفسير لمفهوم سيادة القانون كالاتى:
أولا: وجود قانون مكتوب.
ثانيا: تطبيق هذا القانون .
ثالثا : تقيد السلطات العامة بهذا القانون .
رابعا:أن يكون هذا القانون كما تفسره المحاكم هو مصدر صلاحيات السلطات.
الكهنوت والثيوقراطيه:
وكمثال يتصل بهذا التفسير ، فقد كانت مشكله سيادة القانون مطروحة، قبل ستة قرون في أوربا ،على وجه أخر ،هو ليس ان يسود القانون او لا يسود، بل هل ثمة ضرورة لوجود القانون، أم تغنى عنه حكمه رجال الدين والأمراء والملوك، الذين يمثلون كلمه الله في الأرض .
الاستبداد:
ومثال أخر يتصل بهذا التفسير لمفهوم سيادة القانون هو الاستبداد، فالنظام الاستبدادي هو أساسا نظام سياسي لا يلتزم بالنظام القانوني السائد في المجتمع، ويستند إلى قوته الباطشة، فهو دوله القوه المادية وخارج نطاق النظام القانوني.وهو ارتداد إلى الصورة التي ثارت من قبل وجود الدولة اى النظام القانوني في المجتمع، اى عدم وجود القانون فضلا عن سيادته.
الثاني : التفسير الجوهري:
لا يتعلق بوجود القانون او عدم وجوده، بل بسيادة القانون داخل مجتمع منظم قانونا ، اى ان القانون في هذا التفسير للمفهوم موجود لكن تنقصه السيادة،ومضمون هذا التفسير يتعلق بالتزام الدولة ممثله في سلطاتها التشريعية والتنفيذية بالقانون . إذا هذا التفسير لمفهوم سيادة القانون لا يكتفي بوجود قانون ينص على قاعدة قانونية تحكم موضوعا معينا ،بل يتطلب فحص النص القانوني وكيفية تطبيقه وتقييمه وفق مبادئ ومعايير وقيم معينه هي:
أولا: ثبات القانون و تفسيره.
ثانيا :علانية القانون.
ثالثا : عدم جواز معاقبة إنسان بدون محاكمة عادلة.
رابعا : المساواة إمام القانون.
خامسا : أن يكون القانون معبرا عن إرادة الشعب من خلال ممثليه .( ) . لذا يعرف ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 م مفهوم سيادة القانون كالاتى : «يشير مفهوم سيادة القانون إلى مبدأ للحكم يكون فيه جميع الأشخاص والمؤسسات والكيانات والقطاعات العامة والخاصة، بما في ذلك الدولة ذاتها، مسؤولين أمام قوانين صادرة علناً، وتطبق على المجتمع بالتساوي ويحتكم في إطارها إلى قضاءٍ مستقل وتتفق مع القواعد والمعايير الدولية لحقوق الإنسان».
سيادة القانون والشرعية:
ويتصل مفهوم سيادة القانون بمفهوم الشرعية ،وإذا كانت الشرعية تنقسم إلى : شرعيه شكليه مضمونها ” ان يكون الفعل متفقا مع القواعد الامره و الناهية للنظام القانوني، وشرعيه موضوعية مضمونها” اتفاق النظام القانوني مع المصالح التي ينبغي ان تحميها هذه القواعد” ، فان بعض الباحثين يرى ان سيادة القانون ذات صله أوثق بالسيادة الموضوعية ( ).
الديموقراطيه:
والديموقراطيه هي شرط لتوافر سيادة القانون، لأنه بالديموقراطيه ” التي تعنى ان يكون النظام القانوني متفقا مع ما يريده الناس ” يكون النظام القانوني متفقا مع غاية التطور الاجتماعي كما يحددها الإنسان ،الذى هو العامل الحاسم في التطور.
العدالة الاجتماعية:
كما ان العدل الاجتماعي هو شرط آخر لسيادة القانون، سلبا بتحرير الناس من القهر الاقتصادي، وإيجابا بتوظيف كل الإمكانيات لخدمه التطور الاقتصادي للجميع.
مفهوم سيادة القانون في المنظور القانوني الغربي:
المفهوم الليبرالي لسيادة القانون:
تستند الليبرالية كمنهج إلي فكره القانون الطبيعي، ومضمونها( أن مصلحه المجتمع ككل، تتحقق حتما من خلال عمل كل فرد فيه على تحقيق مصلحته الخاصة).وتطبيقا لهذا المنهج فان المفهوم الليبرالي لسيادة القانون يعنى وقوف القانون موقفا سلبيا من الحريات الفردية ، اتكالا على ان ثمة قانون طبيعي بنظم تلك الحريات ،ويحملها على وجه يجعلها تؤدى وظيفتها الاجتماعية تلقائيا( د.عصمت سيف الدولة، الطريق ،ج 2 ص39 )، فسيادة القانون في الليبرالية إذا تتحقق عندما لا يسمح النظام القانوني للدولة بالتدخل في النشاط الفردي، وكما ان سيادة القانون في الليبرالية تنتفي عندما يسمح النظام القانوني للدولة بالتدخل في النشاط الفردي.
نقد: وأهم أوجه النقد التي يمكن ان توجه إلى المفهوم الليبرالي لسيادة القانون هي ان مسلمه عدم تدخل الدولة قد سقطت عبر تاريخ النظام الراسمالى ذاته في الغرب. غير ان أكثر ما قدمه الفكر الليبرالي جديه لضمان سيادة القانون هو الديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام ، فما دام مقياس سيادة القانون هو غاية محدده من قبل بحكم القانون الطبيعي المستقر في ضمائر الناس، فان الأمر كله يصبح متوقفا على معرفه هذه الغاية، وافصل وسيله هي ترك الناس يقول ما يريدون من النظام القانوني (لاستفتاء)
المقهوم الماركسي لسياده القانون:
تناولت الماركسية مفهوم سيادة القانون وغيره من المفاهيم السياسية طبقا للمنهج المادي الجدلي والمادية التاريخية التي هي محصله تطبيقه على التاريخ،والتي مضمونها أن البنية الفوقية (الفن والفلسفة والأخلاق والنظم السياسية ) مجرد عاكس للتطور الجدلي الحادث في البنية التحتية (أسلوب الإنتاج الذي يضم النقيضين أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج ) . وهو ما يعبر عن نفسه في صورة صراع طبقي بين الطبقة التي تمثل أدوات الإنتاج والتي تمثل علاقات الإنتاج. وهذا التطور يتم عبر أطوار هي الشيوعية البدائية فالعبودية فالإقطاع فالراسماليه فالشيوعية العلمية وأولى مراحلها الاشتراكية .والدولة والقانون وجهان لعمله واحده، فمن حيث الأسس كلاهما ينتميان إلى البناء الفوقي ،ويعكسان القاعدة المادية ويتطوران معها ،ومن حيث الوظيفة يؤديان معا وظيفة واحده، القانون يأمر والدولة تنفذ ،و من حيث الطبيعة كلاهما أداه ردع طبقي ،فالقانون ليس إلا أداه للصراع الطبقي، وكل دوله هي قوه خاصة لردع الطبقة المقهورة، ومن حيث النشاْه كانا وليدي مرحله تاريخية معينه(ظهور الملكية الخاصة في الطور العبودى)، ومن حيث المصير سينتهي وجودهما معا في الطور الشيوعي العلمي.والدولة والقانون في دوله البروليتاريا –مرحله انتقالية بين الراسماليه والشيوعية-أداه قهر طبقي تمارس بها البروليتاريا سيطرتها على الطبقة البرجوازية. أما كيف تتحدد مصلحه البروليتاريا فاستنادا إلى المادية فان مصلحه البروليتاريا محدده ماديا وموضوعيا سواء كانوا واعين بها أم لا ،وإذا كانوا غير واعين بها فان هذا لا يعنى أنها ليست مصلحتهم الحقيقية بل أن لطليعتهم (الحزب الشيوعي) أن توعيهم بها..
نقد: فسيادة القانون إذا لا تتحقق في الماركسية – مؤقتا – إلا من خلال دوله البروليتاريا –كمرحله انتقالية بين فالراسماليه والشيوعية-وباعتبارها أداه قهر طبقي تمارس بها البروليتاريا سيطرتها على الطبقة البرجوازية. أما عند تحقق الغاية النهائية للتطور الاجتماعي طبقا للماركسية اى الطور الشيوعي وزوال الدولة، فلا مجال للحديث عن سيادة القانون، بل عن زوال القانون والدولة معا.
تقويم عام : إن حل مشكله سيادة القانون متوقف على تحديد الغاية الموضوعية لتطور المجتمع ،بحيث تقاس عليها غاية النظام القانوني فنعرف من هذا القياس ما إذا كانت الشرعية متوافرة فيه أم لا ،وقد حاولت تلك المدارس الفكرية تحديد تلك الغاية لكنها فشلت لأنها انتهت إلى اعتبار النظام القانوني ذانه كمقياس لها، فأصبح هو ذاته مصدر الشرعية وسيادة القانون
سيادة القانون في المنظور القانوني الاسلامى:
أولا: أصول المنظور القانوني الاسلامى:
يتسق المنظور القانوني الاسلامى في أصوله مع مفهوم سيادة القانون طبقا لدلالته العامة المشتركة.
أولا: فهو يتفق مع التفسير الشكلي للمفهوم،والمتعلق بوجوب وجود قانون ينظم حركه المجتمع ، من خلال تقريره وجوب أن تحكم العلاقات بين الناس في المجتمع قواعد عامة مجرده سابقه علي نشأة تلك العلاقات هي الشريعة الاسلاميه اى النظام القانوني الاسلامى، يقول تعالى{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ً}[الأحزاب: 36] ، ويقول تعالى: { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ }- [النساء: 59]، ويقول الرسول( صلى الله عليه وسلم) «السيد الله تبارك وتعالى». (فكما جهد الفلاسفة اليونان في أثينا من أمثال أفلاطون وأرسطو على العمل على صياغة معرفة فلسفية حول مبدأ سيادة القانون «The rule of law» …وضع الإسلام كذلك الشريعة الإسلامية كمنظومة ناظمة لمختلف مشارب الحياة، وعمل فقهاء المسلمين في القرن الثاني عشر على تجذير سيادة القانون عبر نشر «الشريعة الإسلامية» كدستور ينظم العلاقات التجارية، السياسية، الاقتصادية والبنكية، وكذلك شددت الشريعة الإسلامية أن لا أحد يدعي أنه فوق القانون، ولا حتى الخليفة، ولقد عمل أبناء ذلك الجيل على نشر ثقافة المساواة أمام القانون)( ).
ثانيا: كما يتفق مع التفسير الجوهري للمفهوم والمتعلق بالتزام الدولة ممثله في سلطاتها التشريعية والتنفيذية بالقانون ومعاييره، حيث تشير إليه كثير من النصوص كقوله صلى الله عليه وسلم «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، و إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»
ثانيا: مذاهب المنظور القانوني الاسلامى:
أما على مستوى مذاهب المنظور القانوني الاسلامى الاجتهادية فإننا نجد العديد من المذاهب التي يتسق بعضها مع مفهوم سيادة القانون، ويتعارض بعضها معه.
مذاهب التعارض:
مذهب التصور التشبيهى لمفهوم التشريع :
من هذه المذاهب التي تتعارض مع مفهوم سيادة القانون ذلك المذهب في الفكر القانوني والسياسي الاسلامى الحديث ، الذى يرتب علي مقولة الشارع هو الله تعالى – وهى مضمون الدلالة الدينية لمصطلح تشريع – نفي حق البشر في وضع القواعد القانونية إطلاقا، وذلك استنادا إلى ما فهموه من مقولات لابو الأعلى المودودي وسيد قطب في تفسير مفهوم الحاكميه الالهيه، وقد أشار الهضيبى إلى هذا المذهب بقوله (وقد توهم البعض أن قائل تلك المقولة -ألحاكميه لله – يري استحالة أن يأذن الله تعالي للناس أن يضعوا لأنفسهم بعض التنظيمات أو التشريعات التي تنظم جانبا من شئون حياتهم)(دعاه لا قضاه). وهو مفهوم تشبيهي يتناقض مع المفهوم التنزيهي لكون الشارع هو الله بمعني أن له تعالي وحدة حق وضع القواعد – الأصول، المطلقة عن قيود المكان والزمان ،والتي لا تخضع للتغير والتطور مكانا وزمانا(التشريع)، وانه تعالي متنزه عن المكان والزمان، واستخلف الجماعة المسلمة في إظهار شرعه في الأرض، بان أوكل إليها حق وضع القواعد – الفروع ، المحدودة بالمكان والزمان وبالتالي تخضع للتغير والتطور مكانا وزمانا (الاجتهاد) ،والتي هي إظهار للقواعد – الأصول في زمان معين ومكان معين . كما ان هذا المذهب ينفى حق الدولة في إصدار قواعد قانونيه . لأنه يخلط بين الدلالة الدينية لمصطلح تشريع والسابق بيانها، والدلالة القانونية للمصطلح، والتي مضمونها حق الدولة في تبنى قواعد فقهيه – قانونيه– معينه لتصبح ملزمه للناس،وهى الدلالة التي قررها الفقه القانوني الاسلامى بتقريره للعديد من القواعد مثل : “للسلطان أن يحدث من الأقضية بقدر ما يحدث من مشكلات” و “أمر الإمام يرفع الخلاف” و “أمر الإمام نافذ ” .
مذهب الاستخلاف الخاص:
ومن هذه المذاهب التي تتعارض مع مفهوم سيادة القانون ،ذلك المذهب في الفكر القانوني والسياسي الاسلامى، والذي يقارب مذهبي الثيوقراطيه والكهنوت ،والذي يمكن ان يطلق عليه اسم مذهب الاستخلاف الخاص، والقائم على ان الحاكم ينفرد دون الجماعة بالاستخلاف عن الله في الأرض، وهو مذهب قال به بعض الخلفاء الأمويين والعباسيين، وقال به الشيعة في حق ألائمه من أحفاد على (رضي الله عنه).ووجه الخطأ في هذا المذهب هو أن الاستخلاف الخاص مقصور على الأنبياء،وبختم النبوة وبوفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) انتهى هذا النوع من أنواع الاستخلاف، والقول بهذا المذهب يعنى المساواة بين الحاكم والنبي في الدرجة.
مذاهب الاتفاق:
مذهب الاستخلاف العام:
أما المذاهب التي تتفق مع مفهوم سيادة القانون فاهمها مذهب الاستخلاف العام الذى مضمونه إسناد كل من السلطتين الدينية والسياسية للجماعة – الشعب بموجب مفهوم الاستخلاف العام . فالسلطة الدينية (الروحية) (التي عبر عنها القران بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) مخوله بموجب الاستخلاف العام للجماعة﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾،لذا فان في الإسلام علماء بالدين وليس به رجال دين،والفارق بين المصطلحين ان المصطلح الاول يفيد التخصص، بينما الثاني يفيد الانفراد، ،وهو ما يعنى ان هناك وسيط بين الإنسان وخالفه (وإذا ساْلك عبادي عنى فاني قريب أجيب دعوه الداعي إذا دعاني).والسلطة السياسية التي عبر عنها القران بمفهوم الأمر مخوله بموجب الاستخلاف العام أيضا للجماعة(وأمرهم شورى بينهم) ، أما الحاكم فنائب ووكيل عنها لها حق تعيينه ومراقبته وعزله ، يعرف الماوردي البيعة بأنها ( عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار)( ).
ب/ مفهوم الشرعية :
أولا: تعريف المفهوم:
لا يمكن تعريف مفهوم الشرعية إلا بالتمييز بين شكلين من أشكالها:
الشرعية الشكلية
: ومضمونها ان يكون اتفاق الفعل مع القواعد الامره و الناهية للنظام القانوني المعين.
الشرعية الموضوعية:
ومضمونها اتفاق النظام القانوني المعين مع المصالح التي ينبغي ان تحميها هذه القواعد.
سيادة القانون والشرعية: ويتصل مفهوم الشرعيه بمفهوم سيادة القانون،ويرى بعض الباحثين يرى ان الأخير ذو صله أوثق الشرعيه الموضوعية ( ).
مفهوم الشرعية في المنظور القانوني الغربي:
المفهوم الليبرالي للشرعية:
تستند الليبرالية كمنهج إلي فكره القانون الطبيعي، ومضمونها( أن مصلحه المجتمع ككل، تتحقق حتما من خلال عمل كل فرد فيه على تحقيق مصلحته الخاصة).وتطبيقا لهذا المنهج فان المفهوم الليبرالي للشرعية يعنى وقوف القانون موقفا سلبيا من الحريات الفردية ، اتكالا على ان ثمة قانون طبيعي بنظم تلك الحريات ،ويحملها على وجه يجعلها تؤدى وظيفتها الاجتماعية تلقائيا( )، فالشرعية في الليبرالية إذا تتحقق عندما لا يسمح النظام القانوني للدولة بالتدخل في النشاط الفردي، وكما ان الشرعية في الليبرالية تنتفي عندما يسمح النظام القانوني للدولة بالتدخل في النشاط الفردي.
نقد: وأهم أوجه النقد التي يمكن ان توجه إلى المفهوم الليبرالي للشرعية هي ان مسلمه عدم تدخل الدولة قد سقطت عبر تاريخ النظام الراسمالى ذاته في الغرب. غير ان أكثر ما قدمه الفكر الليبرالي جديه لضمان الشرعية هو الديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام ، فما دام مقياس الشرعية هو غاية محدده من قبل بحكم القانون الطبيعي المستقر في ضمائر الناس، فان الأمر كله يصبح متوقفا على معرفه هذه الغاية، وافصل وسيله هي ترك الناس يقول ما يريدون من النظام القانوني (لاستفتاء)، فإذا كانوا من الكثرة بحيث لا يستطيعون ان يقولوا جميعا ما يريدون فليختاروا من بتحدث باسمهم وينوب عنهم في التعبير عن ارداتهم (التمثيل النيابي )، وعندما يختلفون لا يكون ثمة إلا ان يؤخذ براى الاغلبيه احتراما للمساواة بينهم (حكم الاغلبيه)، على ان يكون للاقليه الحق في التعبير عن رأيها احتراما للمساوه ذاتها(حرية المعارضة)…
المفهوم الماركسي للشرعية:
تناولت الماركسية مفهوم الشرعيه وغيره من المفاهيم السياسية طبقا للمنهج المادي الجدلي والمادية التاريخية التي هي محصله تطبيقه على التاريخ،والتي مضمونها أن البنية الفوقية (الفن والفلسفة والأخلاق والنظم السياسية ) مجرد عاكس للتطور الجدلي الحادث في البنية التحتية (أسلوب الإنتاج الذي يضم النقيضين أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج ) . وهو ما يعبر عن نفسه في صورة صراع طبقي بين الطبقة التي تمثل أدوات الإنتاج والتي تمثل علاقات الإنتاج. وهذا التطور يتم عبر أطوار هي الشيوعية البدائية فالعبودية فالإقطاع فالراسماليه فالشيوعية العلمية وأولى مراحلها الاشتراكية .والدولة والقانون وجهان لعمله واحده، فمن حيث الأسس كلاهما ينتميان إلى البناء الفوقي ،ويعكسان القاعدة المادية ويتطوران معها ،ومن حيث الوظيفة يؤديان معا وظيفة واحده، القانون يأمر والدولة تنفذ ،و من حيث الطبيعة كلاهما أداه ردع طبقي ،فالقانون ليس إلا أداه للصراع الطبقي، وكل دوله هي قوه خاصة لردع الطبقة المقهورة، ومن حيث النشاْه كانا وليدي مرحله تاريخية معينه(ظهور الملكية الخاصة في الطور العبودى)، ومن حيث المصير سينتهي وجودهما معا في الطور الشيوعي العلمي.والدولة والقانون في دوله البروليتاريا – مرحله انتقالية بين الراسماليه والشيوعية-أداه قهر طبقي تمارس بها البروليتاريا سيطرتها على الطبقة البرجوازية. أما كيف تتحدد مصلحه البروليتاريا فاستنادا إلى المادية فان مصلحه البروليتاريا محدده ماديا وموضوعيا سواء كانوا واعين بها أم لا ،وإذا كانوا غير واعين بها فان هذا لا يعنى أنها ليست مصلحتهم الحقيقية بل أن لطليعتهم (الحزب الشيوعي) أن توعيهم بها..
نقد: فالشرعية إذا لا تتحقق في الماركسية – مؤقتا – إلا من خلال دوله البروليتاريا –كمرحله انتقالية بين فالراسماليه والشيوعية-وباعتبارها أداه قهر طبقي تمارس بها البروليتاريا سيطرتها على الطبقة البرجوازية. أما عند تحقق الغاية النهائية للتطور الاجتماعي طبقا للماركسية اى الطور الشيوعي وزوال الدولة، فان الشرعيه هي زوال القانون والدولة معا.
تقويم عام : إن حل مشكله الشرعية متوقف على تحديد الغاية الموضوعية لتطور المجتمع ،بحيث تقاس عليها غاية النظام القانوني فنعرف من هذا القياس ما إذا كانت الشرعية متوافرة فيه أم لا ،وقد حاولت تلك المدارس الفكرية تحديد تلك الغاية لكنها فشلت لأنها انتهت إلى اعتبار النظام القانوني ذاته كمقياس لها، فأصبح هو ذاته مصدر الشرعية .
مفهوم الشرعيه في المنظور القانوني الاسلامى:
وفى المنظور القانوني الاسلامى نجد مفهوم الشرعيه ماثلا في الكثير من النصوص التي تتناول الشرعيه بشكليها ، حيث نجد العديد من النصوص التي تشير للشرعية الشكلية اى اتفاق الفعل مع القواعد الامره و الناهية للنظام القانوني الاسلامى” الشريعة الاسلاميه”. تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ﴾ ( البقرة: 229) ،﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾.(البقرة187(
أما فيما يتعلق بالشرعية الموضوعية ، اى اتفاق النظام القانوني المعين مع المصالح التي ينبغي ان تحميها هذه القواعد، فان النظام القانوني الاسلامى يميز بين القواعد- الأصول، وهى تقوم على ما يحقق للجماعة مصالحها في كل زمان و مكان، والقواعد -الفروع ،وقد ترك الإسلام للجماعة وضعها علي الوجه الذي يحقق مصالحها المتجددة ( المرسلة )المتغيرة والمتطورة مكانا وزمانا في إطار القواعد الأصول. يقول ألشاطبي( إن أحكام الشريعة ما شرعت إلا مصالح الناس، وحيثما وجدت العمل به فيه حق لله من جهة وجوب العمل به، وفية حق للعبد من جهة انه ما شرع إلا المصلحة) ،ويقول العز بن عبد السلام (التكاليف راجعه إلى مصالح الناس في دنياهم وأخراهم ، والله غني عن عباده الكل و لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين).
الشرعية التكليفيه والشرعية التكوينية:
ويمكن تقسيم الشرعية في الفكر القانوني الاسلامى إلى قسمين:
الشرعية ألتكليفيه:
ومضمونها اتفاق النظام القانوني مع الحدود، اى مجموعه القواعد الآمرة أو الناهية التي لا يباح مخالفتها،فقد وردت الكلمة بمعني القاعدة الآمرة كما في قولة تعالي﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّه ِفَلاَ تَعْتَدُوهَا ﴾ ( البقرة: 229) ، كما وردت بمعني القاعدة الناهية كما في قولة تعالي ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾.(البقرة187)، وسميت حدودا لأنها فوارق بين الحلال والحرام، وبناءا على هذا فان الشرعية ألتكليفيه غير مقصورة على عدم إتيان أنماط السلوك المنهي عنها كشرب الخمر او القذف… بل تتضمن أيضا الالتزام بالمبادئ والقيم المطلقة المأمور بها كالشورى والمساواة والعدل…..
الشرعية التكوينية:
ومضمونها اتفاق النظام القانوني مع السنن الالهيه الكلية والنوعية التي تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة والإنسان.
مذهب قصر الشرعية على تطبيق العقوبات المقدرة :
وهناك مذهب في الفكر القانوني والسياسي الاسلامى المعاصر يقصر المفهوم الاسلامى للشرعية” الذي يطابق عنده مع مفهوم الشريعة الاسلاميه ” على تطبيق العقوبات المقدرة، ووجه الخطأ في هذا المذهب ان مفهوم الشريعة الاسلاميه اشمل من مفهوم العقوبات، حيث ان لمصطلح الشريعة دلاله أصليه ودلاله تبعية ، أما دلالته الاصليه فهي تشمل العبادات والمعاملات بنوعيها: المعاملات الفردية من أحوال شخصية ومعاملات الفرد من بيع وأجاره ورهن وكفالة… والمعاملات التي تنظم العلاقة بين الأفراد في الجماعة، وتشمل القواعد الكلية التي تستند إليها النظم الاقتصادية السياسية القانونية… ويقول ابن تيميه(و إلا فالشريعة جامعة لكل ولاية وعمل فيه صلاح الدين والدنيا، والشريعة إنما هي كتاب الله وسنة رسوله، وما كان عليه سلف الأمة في العقائد والأحوال والعبادات والأعمال والسياسات والأحكام والولايات والعطيات…) .وطبقا لهذه الدلالة فان مصطلح شريعة اشمل من مصطلح العقوبة، إذ ان العقوبات المقدرة هي جزء من الشريعة .إذ ( أن الشرائع والقواعد والآداب التي جاء بها الإسلام ليست مقصورة على الجرائم والمجرمين بل هي تنظيم لعلاقات الناس وهم يمارسون حياتهم العادية السوية، فتربط بينهم وتحيلهم إلى مجتمع إسلامي )( ).. أما دلالته التبعية فهي تعنى النظام القانوني الاسلامى وما يتضمنه من نوعين من أنواع القواعد القانونية : القواعد – الأصول، ممثله في القواعد الآمرة أو الناهية،و التي عبر عنها القران بمصطلح ” الحدود “. و القواعد -الفروع، التي محلها الفقه في الإسلام يقول ابن تيميه ( ثم هي مستعملة في كلام الناس على ثلاثة أنحاء: شرع مُنَزَّل، وهو: ما شرعه الله ورسوله. وشرع مُتَأَوَّل، وهو: ما ساغ فيه الاجتهاد. وشرع مُبَدَّل، وهو: ما كان من الكذب والفجور الذي يفعله المبطلون بظاهر من الشرع، أو البدع، أو الضلال الذي يضيفه الضالون إلى الشرع. والله سبحانه وتعالى أعلم). وهنا أيضا فان مصطلح الشريعة اشمل من مصطلح العقوبة الذي يتضمن نمطين من أنماط الجزاء على خرق النظام القانوني الاسلامى (اى الدلالة التبعية لمصطلح الشريعة )،اى العقوبات الحدية و عقوبات التعزيز.

خاتمه:
من العرض السابق نخلص الى صحه فرضيات الدراسه، وهىأولا: ان الحفاظ على الاستقرار هو احد الغايات الاساسيه للتشريع الاسلامى ، ثانيا: ان التشريع الاسلامى وضع العديد من النصوص والقواعد لضمان الحفاظ على الاستقرار ، ثالثا: ان بعض المذاهب المعاصره لا تحقق غايات التشريع الاسلامى، لانها تتعارض مع الحفاظ على الاستقرار(وهى مذهبى التفسير السياسي للدين ، والغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة).
المراجع
ابن تيميه / مجموع الفتاوى / مجموع الفتاوى ،مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية- المملكة العربية السعودية ، 1416هـ-1995م
الاشعرى، رسالة أهل الثغر، ط / مكتبة العلوم والحكم، بدون تاريخ
الصابونى، عقيدة السلف أصحاب الحديث ط. مكتبة الغرباء ، بدون تاريخ
الباجى، المنتقى شرح الموطأ، ، ط القاهرة ، 1332
علاء الدين عبد العزير بن أحمد البخاري ،كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، ،دار الكتاب العربي ،ط3، 1997
عصمت سيف الدولة، عن العروبة والإسلام، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ، 1988

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s