نظريات المعرفة ومعايير الحقيقة في الفلسفة الغربية والفكر الاسلامى

نظريات المعرفة ومعايير الحقيقة في الفلسفة الغربية والفكر الاسلامى
أولا: نظريات المعرفة التجريبية والمادية ومعيار التطابق:
الفلسفة المادية: هي تيار فلسفي غربي، يضم العديد من المذاهب الفلسفية التي تقول – في مجال نظريه المعرفة- باولويه المادة على الفكرة،والاولويه هنا اولويه مطلقه ، بمعنى لن للمادة وحدها الوجود حقيقي، أما الفكر”الانسانى” فهو مجرد انعكاس لحركه المادة الفكر،أما الفكر المطلق”الإله” فتنكر اغلب مذاهبه وجوده.
التيار التجريبي: وتضم الفلسفة المادية التيار التجريبي وهو تيار فلسفي اوربى حديث، يضم العديد من المذاهب الفلسفية التي تتفق على أن وسيله المعرفة الاساسيه هي الحواس ،أما العقل فهو وسيله معرفه ثانوية وتابعه للحواس”فلا شي في العقل لم يكن من قبل في الواقع”، فيذهب هوبز مثلا إلى أن الحس هو الأصل في جميع معارفنا، وأنكر جون لوك وجود مبادئ عقليه فطرية ، وذهب إلى أن العقل يولد صفحة بيضاء والتجربة هي التي تخط على هذه الصفحة وسطورها. كما تتفق هذه المذاهب الفلسفية على أن مصدر المعرفة هو الواقع المادي ذو الوجود الموضوعي المستقل عن وعى الإنسان وغير المتوقف عليه .
معيار التطابق “التناظر”: وتستند الفلسفة المادية والتيار التجريبي إلى معيار التطابق الذي مضمونه أن الحقيقة هي تطابق الفكرة “ذات الوجود الذاتي” مع الواقع المادي – المحسوس” ذو الوجود الموضوعي” ، ففكره”السماء ممطرة “تكون صادقه إذا تطابقت مع الواقع”اى إذا كانت السماء ممطرة فعلا” ، وتكون كاذبة إذا لم تتطابق معه “اى إذا لم تكن السماء ممطرة في الواقع ” . فطبقا لهذا المعيار فان الحقيقة موضوعيه مطلقا،وليس لها اى بعد أو مستوى ذاتي.
تقويم:
أولا: نقد الفلسفة المادية:
ا/ التمييز بين المادية بمعناها العلمي والفلسفي: يجب التمييز بين المادية بمعناها العلمي الفيزيائي،والتي مضمونها أن للمادة وجود موضوعي غير متوقف على وعى الإنسان، والمادية بمعناها الفلسفي اى الفلسفة التي تجعل للمادة وجود مطلق- والمادية بمعناها الأول غير منكروه من الأديان السماوية بما فيها الإسلام الذي يقر أن للمادة وجود موضوعي لكنه محدود “اى له بداية ونهاية “الخلق والبعث “،وهو ما يتضح من حث القران الكريم على النظر في الكون.
ب/ التطرف فى إثبات وجود المادة : حاولت الفلسفة المادية إثبات البعد المادي للوجود الانسانى، ولكنها تطرفت في هذا الإثبات إلى درجه إلغاء أبعاده غير المادية (الروحية – العقلية – النفسية..)،هذا التطرف يتمثل في قولها بالاولويه “المطلقة” للمادة،ويرجع هذا التطرف إلى أسباب متعددة- اغلبها تشترك فيه مع الفلسفة المثالية – و منها:
ا/الاستناد إلى مثال المراه”الجسم وصوره الجسم في المراه”، وبالتالي الأخذ بمصطلح “الانعكاس”،الذي لا يحتمل تقر الوجود الحقيقي للمادة والفكر معا.
ب/ تطبيق قانون عدم التناقض”المنطقي” على الواقع “المادي”.
ج/الصراع الذي يلزم منه محاوله كل طرف إلغاء كل طرف للطرف الأخر
ج/الوعي ليس مجرد انعكاس للمادة: واذا كان الوعي يعكس المادة في بعض الحالات كالإدراك”الحسي” أو التذكر ، فانه في حالات أخرى لا يعكس المادة فقط ، بل يعيد تشكيلها في صوره جديد ه ” الخيال “.
ثانيا: نقد التيار التجريبي:
القول بالاولويه المطلقة للحواس –أو العقل في التيار العقلاني – يتعارض مع تقرير العلم الحديث الارتباط بين الحواس والعقل، فالحواس هي أطراف الجهاز العصبي، والعقل هو مركز ذات الجهاز، فالأولى هي الجهاز العصبي الطرفي، والثاني هو الجهاز العصبي المركزي.
ثالثا: نقد معيار التطابق:
المصطلح لا يعبر بدقه عن العلاقة بين الواقع والوعي: مصطلح تطابق لا يعبر بدقه عن العلاقة بين الواقع والوعي ، فالوعي يكون صوره ذهنيه عن الواقع ، لكن هذه الصورة ذات خصائص “صوريه”مختلفة عن خصائص الواقع “المادية”، وللواقع قوانينه “التي تحاول كشفها العلم الطبيعية والتجريبية”، وللوعي قوانينه “التي يحاول كشفها علم المنطق”.
الاقتصار على القضايا التجريبيه: ومعيار التطابق ذو استخدام مقصور على القضايا المادية والتجريبية ، لكنه لا يصلح للاستخدام في القضايا المنطقية والرياضية .

ثانيا:نظريات المعرفة المثالية والعقلانية ومعيار الاتساق
الفلسفة االمثاليه: هي تيار فلسفي غربي، يضم العديد من المذاهب الفلسفية التي تقول – في مجال نظريه المعرفة- باولويه الفكرة على المادة ،والاولويه هنا اولويه مطلقه ، بمعنى أن للفكر وحده الوجود حقيقي، أما المادة فليس لها وجود حقيقي ومصدر اعتقادنا بذلك خداع الحواس .وهى تنقسم إلى :أولا: مثاليه موضوعيه أو مطلقه تعنى بالفكر الفكر المطلق (الإله) ، ثانيا:مثاليه ذاتيه تعنى بالفكر الفكر الانسانى.واصل الاسم مرجعه أن أفلاطون أطلق على الفكرة اسم المثال.
التيار العقلانى: وتضم الفلسفة المثالية التيار العقلاني، وهو تيار فلسفي اوربى حديث، يضم العديد من المذاهب الفلسفية التي تتفق على أن وسيله المعرفة الاساسيه هي العقل ،فهو الوسيلة الوحيدة للمعرفة الحقيقية التي تتسم بالضرورة (صدق القضايا العقلية دائماً) والكلية (صدق هذه القضايا في زمان ومكان. كما تتفق هذه المذاهب على أن مصدر المعرفة هو قضايا عقلية أولية (قبلية) أي سابقة على كل تجربة حسية.
معيار الاتساق: وتستند الفلسفة المثالية والتيار التجريبي إلى معيار الاتساق الذي مضمونه أن الحقيقة هي اتساق الفكر مع الأفكار الأخرى، ففكره”2- 1 =1 ” تكون صادقه إذا اتسقت مع أفكار أخرى صادقه ك ” 1+1 =2″ ، فطبقا لهذا المعيار فإن الحقيقة عقليه مطلقا، وليس لها اى بعد أو مستوى مادي – حسي .
أولا: نقد الفلسفة المثاليه:
ا/ التمييز بين المادية بمعناها العلمي والفلسفي: يجب التمييز بين المادية بمعناها العلمي الفيزيائي،والتي مضمونها أن للمادة وجود موضوعي غير متوقف على وعى الإنسان، والمادية بمعناها الفلسفي اى الفلسفة التي تجعل للمادة وجود مطلق- والمادية بمعناها الأول غير منكروه من الأديان السماوية بما فيها الإسلام الذي يقر أن للمادة وجود موضوعي لكنه محدود “اى له بداية ونهاية “الخلق والبعث “،وهو ما يتضح من حث القران الكريم على النظر في الكون.
اولا:نقد الفلسفة المثالية:
اولا:التطرف فى إثبات البعد الروحي : حاولت الفلسفة المثالية إثبات البعد الروحي للوجود الانسانى، ولكنها تطرفت في هذا الإثبات إلى درجه إلغاء بعده المادي.
ثانيا:الفلسفة المثالية لا تتطابق مع الأديان السماوية:وإذا كانت الفلسفة المثالية تلتقي مع الأديان السماوية في بعض النقاط ( كإقرار اغلبه مذاهبها بوجود اله) فإنها لا تتطابق معها، لان هناك نقاط اختلاف (كاستنادها الى مفهوم وحده الوجود المرفوض من اغلب أتباع الديانات السماوية.
ثانيا: نقد التيار التجريبي:
القول بالاولويه المطلقة للعقل –أو الحوا في التيار التجريبى – يتعارض مع تقرير العلم الحديث الارتباط بين العقل والحواس كما ذكرنا سابقا.
ثالثا: نقد معيار الاتساق:
الاقتصار على القضايا المنطقية والرياضية: ومعيار الاتساق ذو استخدام مقصور على القضايا الصورية” المنطقية والرياضية” ، لكنه لا يصلح للاستخدام في القضايا التجريبيه .
نظريات المعرفة النفعية والبراجماتيه ومعيار المنفعة:
فلسفه المنفعة: هي تيار فلسفي غربي بضم العديد من المذاهب الفلسفية التي تتفق على أن المنفعة هي معيار المعرفة والقيم. ومن هذه المذاهب المدرسة السوفسطائيه التي قالت بنسبية وذاتيه وحسية المعرفة والقيم، وهناك أيضا مذهب المنفعة الحديث ومن أعلامه جيريمي بينثام الذي يرى أن الأساس الذي يجب أن تبنى عليه القوانين والأخلاق، هو إسعاد أكبر عدد من الناس. ووضع حساب للسعادة بحيث يمكن قياسها طبقا لمعايير(الشدة/المدة /اليقين/القرب/الغزارة/ النقاء / المدى)،ومن أعلام هذا المذهب أيضا جون ستيوارت ميل ، والذي يرى أن ما يعنينا من الناحية الأخلاقية، هو نتائج أفعالنا وسلوكنا ودرجة تأثيرها على سعادتنا.
الفلسفة البرجماتية هى مدرسة فلسفية ظهرت في أمريكا كامتداد لمدرسة المنفعة الانجليزية ،وقد اشتق اسمها من الكلمة اليونانية (براجما) وتعني العمل النافع تأكيدا لأهمية العلم الإنساني في فهم الواقع وتغييره ومن أهم اعلامها تشارلس بيرس، وليم جيمس، جون ديوي. وترى هذه المدرسة أن الحقيقة ليست ذات وجود موضوعي مستقل عن وعي الإنسان وغير متوقف عليه كما ترى المدارس الموضوعية (المثالية والمادية) كما أنها ليست ذات وجود ذاتي أي ليست كامنة في عقل الإنسان كما ترى المدارس الذاتية (كالوجودية) بل أن الحقيقة هي ما تسفر عنه نتائج أفكارنا في المستقبل وهي نتائج ذات طابع عملي وبتعبير أحد فلاسفتها (الأفكار هي نتائجها).
معيار المنفعة: وقد استندت الفلسفات النفعية والبرجماتية إلى معيار المنفعة الذي مضمونه أن المنفعة هي معيار الحقيقة ،فالقضية الصادقة هي التي تحقق منفعة، والقضية الكاذبة هي التي لا تحقق اى منفعة أو يترتب عليها ضرر.
نقد معيار المنفعة:
المنفعة لا تبرر الحقيقة: إن الفلسفات النفعية والبرجماتية باتخاذها للمنفعة (بما هي ضابط ذاتي للحركة) معيار للحقيقة الموضوعية، أنكرت موضوعية هذه الحقيقة، غير أن الحقيقة تبرر المنفعة، لكن المنفعة لا تبرر الحقيقة، فالمنفعة بما هي (الحل الصحيح للمشكلة المعينة) لا تكون كذلك (أي لا تكون صحيحة) إلا باستنادها إلى الواقع والقوانين الموضوعية التي تضبط حركته (أي إلا باستنادها إلى الحقيقة).
اتصاف المنفعة بالتعدد: والمنفعة تتصف بالتعدد ، فهناك منفعة عامه ومنفعة خاصة، ومنفعة ماديه ومنفعة روحيه ، ومنفعة مباشره ومنفعة غير مباشره ، ومنفعة قريبه ومنفعة بعيده..وهذا التعدد قد يؤدى إلى تضارب في المنافع ، ومن ثم يؤثر سلبا على استخدام المنفعة كمعيار للحقيقة
الاقتصار على المستوىات التطبيقية والوظيفية: وفى كل الاحوال فان استخدام معيار المنفعة مقصور على المستويات التطبيقية والعملية ،اى مقصور على وظيفة الشى ولا يتعداه إلى وجوده السابق على وظيفته.

معايير الحقيقة في منهج المعرفة الاسلامى
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا } [سورة النساء: 82].
فمعنى قوله تعالى في هذه الآية (اخْتِلَافًا كَثِيرًا) أي تناقضا كثيرا، ففي تفسير البغوي: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا أي تفاوتا وتناقضا كثيرا قاله ابن عباس، وقيل: لوجدوا فيه أي في الإخبار عن الغيب بما كان وبما يكون اختلافا كثيرا أفلا يتفكرون فيه فيعرفوا بعدم التناقض فيه صدق ما يخبر أنه كلام الله تعالى لأن ما لا يكون من عند الله لا يخلو عن تناقض واختلاف.
وقال الشوكاني في فتح القدير: والمعنى أنهم لو تدبروه حق تدبره لوجدوه مؤتلفا غير مختلف صحيح المعاني قوي المباني بالغا في البلاغة إلى أعلى درجاتها، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا أي تفاوتا وتناقضا، ولا يدخل في هذا اختلاف مقادير الآيات والسور؛ لأن المراد اختلاف التناقض والتفاوت وعدم المطابقة للواقع، وهذا شأن كلام البشر لاسيما إذا طال وتعرض قائله للإخبار بالغيب فإنه لا يوجد منه صحيحا مطابقا للواقع إلا القليل النادر
سوف نتناول هذه الآية بشيء من التعليق والشرح:
ورد في فتح القدير للإمام الشوكاني ما نصه: (تفاوتاً وتناقضاً، ولا يدخل في هذا اختلاف مقادير الآيات، والسور؛ لأن المراد اختلاف التناقض والتفاوت، وعدم المطابقة للواقع، وهذا شأن كلام البشر لا سيما إذا طال، وتعرّض قائله للإخبار بالغيب، فإنه لا يوجد منه صحيحاً مطابقاً للواقع إلا القليل النادر).
يقول عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ): “لقد أعجز القرآن العرب بمزايا ظهرت لهم في نظمه وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادئ آية ومقاطعها ومجاري ألفاظها ومواقعها، وفي مضرب كل مثل، ومساق كل خبر، وصورة كل عظة وتنبيه وإعلام، وتذكير وترغيب وترهيب، ومع كل حجة برهان، وصفة وتبيان وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة، وعشرا عشرا، وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها، ولفظة ينكر شأنها أو يري أن غيرها أصلح هناك أو أشبه، أو أحرى وأخلق، بل وجدوا اتساقا بهر العقول وأعجز الجمهور. ونظاما والتئاما وإتقانا وإحكاما لم يدع في نفس بليغ منهم” (3). دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق: محمد رضوان الداية وفايز الداية، دار الفكر، دمشق (سوريا)، ط 1، 2007، ص 57.
قال الله عز وجل : ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) فصلت/ 53.
الْآفَاقُ هي النَّوَاحِي ، مفردها (أُفُقٌ) و (أُفْقٌ) .
ومعنى الآية الكريمة : أن هذا وعد من الله تعالى أنه سيكشف للناس عن آياته في نواحي السموات والأرض وفي أنفسهم حتى يتبين لهم ويثقوا أن القرآن حق أنزله الله تعالى .
وقد اختلف المفسرون في معنى مفردات الآية اختلافا لا يضر بالمعنى ، بل الآية تحتمل جميع ما قالوه إذا لا منافاة بينه .
فبعض المفسرين فسر الآفاق بأنها آفاق السموات ، وبعضهم فسرها بأنها آفاق الأرض ، وبعضهم فسرها بالمعنيين بأنها آفاق السموات والأرض .
واما قوله تعالى : ( وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) فبعضهم حملها على أنها خطاب لأهل مكة الذين لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأن المراد بذلك يوم بدر وفتح مكة ، فقد كان ذلك آية من الله تعالى على أنه يؤيد نبيه وينصره على أعدائه مع قلة عدد أصحابه وعتادهم ، مما يدل على أنه رسول الله حقا . وأن ما جاء به هو من عند الله حقا . وفسرها آخرون بأن المراد بها نفس الإنسان على سبيل العموم ، في كمال خلقتها وبديع صنع الله تعالى فيها ، مما يدل على وحدانيته وكمال قدرته وعلمه وحكمته .. إلخ . والآية أيضا : صالحة لهذا المعنى وذاك ، إذا لا منافاة بينهما .
وقد صدق الله تعالى وعده فكشف للناس عن آياته في الآفاق وفي أنفسهم خلال القرون الأربعة عشر التي تلت هذا الوعد ، مما يتبين به لكل عاقل منصف أن هذا الإسلام حق ، وأن القرآن حق .
وما يزال الله تعالى يكشف للناس كل حين عن آيات جديدة ، وسيستمر ظهور هذه الآيات حتى تنتهي الدنيا ، فإن الإسلام إنما جاء لجميع البشر إلى قيام الساعة ، فناسب ذلك أن تكون آياته ومعجزاته باقية إلى قيام الساعة .
وهذه أقوال بعض المفسرين في الآية :
قال القرطبي رحمه الله :
” قَوْلُهُ تعالى: ( سَنُرِيهِمْ آياتِنا ) أَيْ : عَلَامَاتِ وَحْدَانِيَّتِنَا وَقُدْرَتِنَا ( فِي الْآفاقِ ) يَعْنِي : خَرَابَ مَنَازِلِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ ( وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) بِالْبَلَايَا وَالْأَمْرَاضِ .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ( فِي الْآفاقِ ) آيَاتُ السَّمَاءِ ( وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) حَوَادِثُ الْأَرْضِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( فِي الْآفاقِ ) فَتْحُ الْقُرَى ، فَيَسَّرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْصَارِ دِينِهِ فِي آفَاقِ الدُّنْيَا وَبِلَادِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ عُمُومًا، وَفِي نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ خُصُوصًا مِنَ الْفُتُوحِ الَّتِي لَمْ يَتَيَسَّرْ أَمْثَالُهَا لِأَحَدٍ مِنْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ قَبْلَهُمْ، وَمِنَ الْإِظْهَارِ عَلَى الْجَبَابِرَةِ وَالْأَكَاسِرَةِ وَتَغْلِيبِ قَلِيلِهِمْ عَلَى كَثِيرِهِمْ ، وَتَسْلِيطِ ضُعَفَائِهِمْ عَلَى أَقْوِيَائِهِمْ ، وَإِجْرَائِهِ عَلَى أَيْدِيهِمْ أُمُورًا خَارِجَةً عَنِ الْمَعْهُودِ خَارِقَةً لِلْعَادَاتِ ( وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) فتح مكة ، وهذا اختيار الطبري ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَابْنُ زَيْدٍ : ( فِي الْآفاقِ ) يعني أقطار السموات وَالْأَرْضِ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالرِّيَاحِ وَالْأَمْطَارِ وَالرَّعْدِ وَالْبَرْقِ وَالصَّوَاعِقِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَشْجَارِ وَالْجِبَالِ وَالْبِحَارِ وَغَيْرِهَا…
( وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) مِنْ لَطِيفِ الصَّنْعَةِ وَبَدِيعِ الْحِكْمَةِ حَتَّى سَبِيلِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَشْرَبُ وَيَأْكُلُ مِنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ وَيَتَمَيَّزُ ذَلِكَ مِنْ مَكَانَيْنِ ، وَبَدِيع صَنْعَةِ اللَّهِ وَحِكْمَته فِي عَيْنَيْهِ اللَّتَيْنِ هُمَا قَطْرَةُ مَاءٍ يَنْظُرُ بِهِمَا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ ، وَفِي أُذُنَيْهِ اللَّتَيْنِ يُفَرِّقُ بِهِمَا بَيْنَ الْأَصْوَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ. وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ بَدِيعِ حِكْمَةِ اللَّهِ فِيهِ. …
( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْقُرْآنُ ، الثَّانِي : الْإِسْلَامُ جَاءَهُمْ بِهِ الرَّسُولُ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ ، الثَّالِثُ : أَنَّ مَا يُرِيهِمُ اللَّهُ وَيَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ ، الرَّابِعُ : أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الرَّسُولُ الْحَقُّ ” انتهى ” تفسير القرطبي” (15/ 374-375).
وهذه الأوجه الأربعة كلها حق ، وكلها متلازمة ، غير أن الظاهر أن المراد بالآية القرآن الكريم ، فإنه قد أشير إليه في الآية التي قبلها : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) فصلت/52 ، ” مدارج السالكين ” لابن القيم (3/466) .
وقال ابن كثير رحمه الله :
” أَيْ : سَنُظْهِرُ لَهُمْ دَلَالَاتِنَا وحُجَجنا عَلَى كَوْنِ الْقُرْآنِ حَقًّا مُنَزَّلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَلَائِلَ خَارِجِيَّةٍ ( فِي الآفَاقِ ) ، مِنَ الْفُتُوحَاتِ وَظُهُورِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْأَقَالِيمِ وَسَائِرِ الْأَدْيَانِ .
قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالسُّدِّيُّ : وَدَلَائِلُ فِي أَنْفُسِهِمْ ، قَالُوا: وَقْعَةُ بَدْر، وَفَتْحُ مَكَّةَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْوَقَائِعِ الَّتِي حَلّت بِهِمْ ، نَصَرَ اللَّهُ فِيهَا مُحَمَّدًا وَصَحْبَهُ ، وَخَذَلَ فِيهَا الْبَاطِلَ وحِزْبَه .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ مَا الْإِنْسَانُ مُرَكَّبٌ مِنْهُ وَفِيهِ وَعَلَيْهِ مِنَ الْمَوَادِّ وَالْأَخْلَاطِ وَالْهَيْئَاتِ الْعَجِيبَةِ ، كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي عِلْمِ التَّشْرِيحِ الدَّالِّ عَلَى حِكْمَةِ الصَّانِعِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَكَذَلِكَ مَا هُوَ مَجْبُولٌ عَلَيْهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْمُتَبَايِنَةِ ، مِنْ حَسَنٍ وَقَبِيحٍ وَبَيْنَ ذَلِكَ ، وَمَا هُوَ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ تَحْتَ الْأَقْدَارِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ بِحَوْلِهِ ، وَقُوَّتِهِ ، وحِيَله ، وَحَذَرِهِ أَنْ يَجُوزَهَا، وَلَا يَتَعَدَّاهَا ” .
انتهى من ” تفسير ابن كثير” (7/ 187) .
وقد جمع بعض المفسرين بين كل ما قيل في معنى الآية إذ لا منافاة بينه كما سبق
مفهوم الحقيقة في الفكـــر الإســــلامي
الاثنين ٢٩ آب (أغسطس) ٢٠١١، بقلم جميل حمداوي
توطئــــة:
تعد الحقيقة من أهم المفاهيم الفلسفية الشائكة التي انشغل بها الفكر الإسلامي قديما وحديثا؛ وما زالت الحقيقة تفرض ذاتها على الباحثين والمفكرين والفلاسفة سواء أكان ذلك في الغرب أم في الشرق، نظرا لقيمتها الأخلاقية التي يقوم عليها البناء الاجتماعي من أجل تحقيق الفضيلة، وتحصيل السعادة الكبرى عاجلا وآجلا ، أو لقيمتها الوجودية التي بها تتم معرفة الخالق والمخلوقات، أو لقيمتها المعرفية الضرورية لتقدم العلم والفنون والآداب والتكنولوجيا، بغية تحقيق الرقي والازدهار والتقدم ، والرفع من مستوى الإنسانية ماديا ومعنويا.
وقد رأينا في أوراق الفكر الإسلامي ، وذلك مع المفكر المغربي الدكتور عابد الجابري (1935-2010م) في كتابه” بنية العقل العربي”، أن الفلاسفة كانوا يحصرون الحقيقة في البرهان العقلاني، بينما المتصوفة كانوا يحصرونها في العرفان الوجداني والمعرفة الذوقية واللدنية0 في حين، نجد أهل الظاهر يحصرونها في البيان وظاهر النص، بينما علماء الكلام من معتزلة وأشاعرة وماتريدية وشيعة وخوارج ومرجئة يعتمدون على آلية الجدل والحجاج والبيان للوصول إلى الحقيقة #.
هذا، وتعتمد الحقيقة على آليات متنوعة وأنساق فلسفية مختلفة ومتباينة المنظور والتصور. والغرض من هذه الدراسة هو إدراك التحولات التي طالت مفهوم الحقيقة في الفكر الإسلامي عند علماء الكلام والفلاسفة والمتصوفة. إذاً، ماهي الحقيقة في اللغة والاصطلاح؟ وماهو مفهوم الحقيقة عند علماء الكلام؟ ومامفهومها عند الفلاسفة والمتصوفة؟ وهل يمكن الحديث عن حقيقة واحدة أم عدة حقائق؟ وماهي السبل أو الطرائق الموصلة إلى إدراك الحقيقة سواء أكانت مطلقة أم نسبية ؟ تلكم هي الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها في هذه الورقة المتواضعة.
مفهـــوم الحقيقـــة:θ
من المعروف أن الحقيقة في اللغة هي الثبات والاستقرار والقطع واليقين ومخالفة المجاز. ومن ثم، فالحقيقة في ” لسان العرب” بمعنى الحق، والصدق، والصحة، واليقين، والوجوب، والرصانة، ومقابلة التجاوز. وفي هذا الإطار يقول ابن منظور في لسانه:” بلغ حقيقة الأمر أي يقين شأنه. وفي الحديث: لايبلغ المؤمن حقيقة الإيمان حتى لايعيب مسلما بعيب هو فيه؛ يعني خالص الإيمان ومحضه وكنهه. وحقيقة الرجل: مايلزمه حفظه ومنعه ويحق عليه الدفاع عنه من أهل بيته؛ والعرب تقول: فلان يسوق الوسيقة وينسل الوديقة ويحمي الحقيقة… والحقيقة ما يحق عليه أن يحميه، وجمعها الحقائق. والحقيقة في اللغة:ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه، والمجاز ماكان بضد ذلك، وإنما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعان ثلاثة: وهي الاتساع والتوكيد والتشبيه، فإن عدم هذه الأوصاف كانت الحقيقة البتة،…وحق الشيء يحق، بالكسر، حقا أي وجب… وأحققت الشيء أي أوجبته. وتحقق عنده الخبر أي صح. وحقق قوله وظنه تحقيقا أي صدق. وكلام محقق أي رصين… والحق: صدق الحديث.والحق: اليقين بعد الشك.#”
أما الحقيقة في كتاب” التعريفات” لأبي الحسن الجرجاني، فهي :” اسم لما أريد به ما وضع له. وهي فعيلة من حق الشيء إذا ثبت ، بمعنى فاعلة، أي حقيق، والتاء فيه للنقل من الوصفية إلى الاسمية، كما في العلامة، لا للتأنيث. وفي الاصطلاح، هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح به التخاطب، والشيء الثابت قطعا ويقينا. يقال حق الشيء إذا ثبت. وهي اسم للشيء المستقر في محله، وما به الشيء هوهو كالحيوان الناطق للإنسان”.#
وترتبط الحقيقة في معجم لالاند (Lalande) بالمعنى الحقيقي. وضمن هذا السياق، تتعارض الحقيقة مع الخطإ. كما أن الحقيقة تحيل على الواقع بالمفهوم المنطقي، فكل ماهو موجود فهو حقيقي، وما ليس موجودا فهو خطأ#.
والحقيقة في الاصطلاح هي كل ماهو صادق وواقعي وثابت ويقيني، أوهي مطابقة الفكر للفكر، أو مطابقة الفكر للواقع ، أو كما يقول العرب:”الحقيقة هي مطابقة ما في الأذهان لما هو في الأعيان”. وتتناقض الحقيقة مع الكذب والغلط والوهم والظن والشك والتخمين والرأي والاعتقاد والباطل.
ويلاحظ جليا أن الحقيقة تتخذ مفهوما معرفيا وقيميا. فعلى المستوى المعرفي، الحقيقة هي التي يتطابق فيها الحكم مع الموضوع المرصود، أو يتوافق فيها الحكم النظري مع الممارسة العملية. كما يقصد بالحقيقة على المستوى القيمي كل ما هو صادق وحسن ويقيني وثابت، وذلك في مقابل الكذب والسيء والزائل . لذا، يقول هيجل Hegel (1770-1831م) في موسوعته التي خصصها للعلوم الفلسفية :” عادة مانطلق لفظ الحقيقة على مطابقة موضوع ما لتمثلنا، وفي هذه الحالة فإننا نفترض وجود موضوع ينبغي أن يتطابق مع تمثلنا له. وعلى العكس من ذلك، فالمعنى الفلسفي للحقيقة يقتضي- بتعبير عام ومجرد- مطابقة محتوى ما لذاته. وهذه دلالة أخرى للفظ الحقيقة، مغايرة للدلالة المذكورة آنفا. أما الدلالة الفلسفية الأكثر عمقا للحقيقة، فهي توجد- في جزء منها- أيضا في استخدام اللسان. هكذا، نتحدث مثلا عن صديق حقيقي، ونعني به صديقا يسلك بطريقة مطابقة لمفهوم الصداقة.كما نتحدث أيضا عن منتوج حقيقي.أما اللاحقيقي فيتخذ نفس المعنى الذي يتخذه ماهو سيء أو قبيح، أي ما ليس ملائما في حد ذاته. وبهذا، المعنى فالدولة السيئة هي دولة غير حقيقية، وماهو سيئ هو غير حقيقي.وبشكل عام، فاللاحقيقي يكمن في التناقض الموجود بين التحديد أو التصور من جهة، ووجود الموجود من جهة أخرى.”#
ويعني هذا أن مفهوم الحقيقة مفهوم ملتبس وغامض وشائك، ومتعدد الدلالات من حقل إلى آخر، ومن فيلسوف إلى آخر، وذلك حسب تصوره النظري ونسقه الفلسفي. وعلى الرغم من تعدد التعاريف والدلالات، فالحقيقة مرتبطة في جوهرها بالصدق، واليقين، والفضيلة، والسعادة، والكمال، والمعرفة العلمية الحقة.
الحقيقـــــة في الفكــــر الإسلامـــي:θ
يتضمن الفكر الإسلامي أربع مراحل كبرى: مرحلة علم الكلام، ومرحلة الفلسفة الإسلامية، ومرحلة التصوف، ومرحلة فكر عصر النهضة. وكل مرحلة لها خصوصيات نظرية ومنهجية و سياقية. وبالتالي، فالباحث مطالب باستحضار كل هذه الخصوصيات الفكرية والواقعية حين التعامل مع محطات الفكر الإسلامي الكبرى.
1- مفهوم الحقيقة عند علماء الكلام:
تناول علماء الكلام ، وذلك بعد نشوب الفتنة الكبرى بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وظهور مجموعة من الفرق الكلامية كالمرجئة، والشيعة، والخوارج، والمعتزلة، والماتريدية، والأشاعرة، مجموعة من القضايا المتعلقة بحقائق أصول الدين والعقيدة، كالتوحيد (رؤية الله- كلام الله- صفات الله)، والعدل(نظرية الصلاح والأصلح- نظرية الحسن والقبيح…)، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولقد اختار علماء الكلام منهج الجدل والمناظرة من أجل الدفاع عن هذه الحقائق الدينية، وإبداء وجهة النظر في المسائل الدينية والسياسية العويصة التي فرضها الواقع السياسي ، وذلك في علاقة بفقه النص وفقه الواقع. ومن المعروف أن الجدل والمناظرة يخضعان نظريا لمجموعة من الثوابت المنهجية، مثل: وجود المدعي والمدعى عليه، ووجود دعوى الاعتراض، والارتكان إلى الدليل (البينة، والشاهد، والبرهان، والوثيقة، والحجة…)، واستعمال العقل والمنطق في التناظر، والابتعاد عن التعصب والعنف والتجريح والقذف ، واستعمال الحوار البناء القائم على الموعظة والحكمة الحسنة، واستقصاد الحقيقة الهادفة، وعدم الوقوع في التناقض، والانطلاق من المسلمات والبدهيات بغية الحجاج والتأثير والإقناع….
ويلاحظ أن أهم الفرق الكلامية التي كان لها باع كبير في عملية الحجاج، نذكر منها: المعتزلة والأشاعرة، فالفرقة الأولى كانت عقلانية تعطي الأولوية للعقل قبل ورود النص، فترى العقل هو المعيار الوحيد لمعرفة الصواب من الخطإ، والتمييز بين الخير والشر، والتفريق بين الحسن والقبيح. وقد دافعت عن حرية الإنسان في خلق أفعاله ، وذلك على غرار القدرية (معبد بن خالد الجهني ، وغيلان الدمشقي)، ضد الجبرية (جهم بن صفوان ت.128هـ)، التي كانت تقول بأن الإنسان مجبر على أداء أفعاله خيرا وشرا، وقد قالت المعتزلة كذلك بنظرية الصلاح والأصلح. في حين، كان الأشاعرة (نسبة إلى أبي الحسن الاشعري ت.324هـ)نصيين، يعطون الأولوية للنص على حساب العقل، وقد قالوا بنظرية الكسب على مستوى أفعال الإنسان. ويعني هذا أن الإنسان ليس حرا حرية مطلقة، وليس مجبرا جبرية مطلقة . بمعنى أن الإنسان يكسب ما يشاء من أفعال الخير والشر التي خلقها الله، فيستعملها بإرادته ومشيئته كما يريد ثوابا وعقابا. بمعنى أن الله الذي خلق الإنسان، يخلق فيه نوعا من القدرة والاستطاعة يحسه الإنسان أثناء الفعل ومعه. هذا النوع من القدرة والاستطاعة يسميه أبو الحسن الاشعري كسبا. أي: إن الإنسان يكسب القدرة على الفعل حين القيام به، ولكن لايستطيع الكسب إلا بقدرة من الله.
وإذا كان علماء الكلام يستعملون العقل والمنطق والبرهان في الدفاع عن الحقائق الدينية والسياسية، ويستعملون التأويل في قلب الظاهر، واستكشاف الباطن، و تحويل الحقيقة إلى المجاز، وذلك، درءا لكل تشبيه وتجسيد وتشخيص، وإبعاد لقياس الغائب على الشاهد، فإن ثمة انتقادات توجه إلى علم الكلام فيما يخص المنهج والتأويل، فابن رشد – مثلا- يرى أن منهج علماء الكلام منهج افتراضي قائم على الجدل والاحتمال، ينطلق من مقدمات افتراضية، ويصل إلى نتائج افتراضية. ويشبه هذا المنهج منهج الشكاك من السفسطائيين الذين كانوا ينطلقون من نتائج خاطئة، فيصلون إلى نتائج خاطئة. في حين، أن منهج الفلاسفة منهج برهاني ينطلق من نتائج يقينية ليصل إلى نتائج يقينية، أما منهج الفقهاء والجمهور من عامة الناس، فمنهجهم ظاهري وخطابي. وفي هذا النطاق، يقول ابن رشد:” وقد يعرض للنظار في الشريعة تأويلات من قبل تفاضل الطرق المشتركة بعضها على بعض في التصديق، أعني إذا كان دليل التأويل أتم إقناعا من دليل الظاهر، وأمثال هذه التأويلات هي جمهورية، ويمكن أن تكون فرض من بلغت قواهم النظرية إلى القوة الجدلية، وفي هذا الجنس يدخل بعض تأويلات الأشعرية، والمعتزلة، وإن كانت المعتزلة ، في الأكثر، أوثق أقوالا.
وأما الجمهور ، الذين لايقدرون على أكثر من الأقاويل الخطابية، ففرضهم إمرارها على ظاهرها، ولايجوز أن يعلموا ذلك التأويل أصلا.
فإذاً، الناس في الشريعة على ثلاث أصناف:
صنف ليس هو من أهل التأويل أصلا، وهم الخطابيون، الذين هم الجمهور الغالب، وذلك أنه ليس يوجد أحد سليم العقل يعرى من هذا النوع من التصديق.
وصنف هو من أهل التأويل الجدلي، وهؤلاء هم الجدليون، بالطبع فقط، أو بالطبع والعادة.
وصنف هو من أهل التأويل اليقيني، وهؤلاء هم البرهانيون، بالطبع والصناعة، أعني صناعة الحكمة.”#
هذا، وقد عاب ابن رشد على الفرق الكلامية تصريحها بتأويلاتها الجدلية ، فكانت وراء اندلاع فتن كثيرة، وماكان عليها أن تصرح بذلك إلا لأصحاب التأويل وأهل العلم والنظر والعارفين بالله، وماكان عليها أن تخرج بذلك على أهل الظاهر وعامة الناس، كما فعل الحلاج المتصوف الذي خرج على الناس قائلا: أنا الله. فماكان من الفقهاء و عامة الناس إلا أن صلبوه عقابا له على كفره وزندقته. وفي هذا السياق، يقول ابن رشد: ” ومن قبل التأويلات، والظن بأنها يجب أن يصرح بها في الشرع للجميع، نشأت فرق الإسلام، حتى كفر بعضهم بعضا، وبدع بعضهم بعضا، وبخاصة الفاسدة منها.
فأولت المعتزلة آيات كثيرة، وأحاديث كثيرة، وصرحوا بتأويلهم للجمهور، وكذلك فعلت الأشعرية، وإن كانت أقل تأويلا. فأوقعوا الناس من قبل ذلك في شنآن وتباغض وحروب، ومزقوا الشرع، وفرقوا الناس كل التفريق.
وزائدا إلى هذا كله أن طرقهم التي سلكوها في إثبات تأويلاتهم ليسوا فيها لا مع الجمهور ولا مع الخواص، أما مع الجمهور فلكونها أغمض من الطرق المشتركة للأكثر، وأما مع الخواص فلكونها إذا تؤملت وجدت ناقصة عن شرائط البرهان.وذلك يقف عليه، بأدنى تأمل، من عرف شرائط البرهان.
بل كثير من الأصول التي بنت عليها الأشعرية معارفها هي سوفسطائية، فإنها تجحد كثيرا من الضروريات، مثل: ثبوت الأعراض، وتأثير الأشياء بعضها في بعض، ووجود الأسباب الضرورية للمسببات، والصور الجوهرية، والوسائط، ولقد بلغ تعدي نظارهم، في هذا المعنى، على المسلمين، أن فرقة من الأشعرية كفرت من ليس يعرف وجود الباري سبحانه بالطرق التي وضعوها لمعرفته في كتبهم، وهم الكافرون والضالون بالحقيقة.
ومن هنا، اختلفوا، فقال قوم: أول الواجبات النظر. وقال قوم: الإيمان، أعني من قبل أنهم لم يعرفوا أي الطرق هي الطرق المشتركة للجميع، التي دعا الشرع من أبوابها جميع الناس، وظنوا أن ذلك طريق واحد، فأخطأوا مقصد الشارع، وضلوا وأضلوا.”#
وعليه، فقد تسلح علماء الكلام بالجدل والمناظرة من أجل الدفاع عن الحقيقة الربانية، وتنزيه الذات الإلهية من كل نقص أو عجز أو تجسيد بشري. و لو أخذ المسلمون بالمنهج الاعتزالي في إدراك الحقائق، بدلا من اتباع المنهج الأشعري، فاستخدموا العقل والبرهان ، ثم دافعوا عن حرية الإنسان في الخلق والتصرف والاستكشاف والابتكار، لكانوا في مكانة أحسن من مكانتهم الاتكالية التي أصبحوا عليها الآن!
2- مفهوم الحقيقة عند فلاسفة الإسلام:
يذهب الفلاسفة المسلمون بما فيهم: الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن طفيل، وابن باجة، وابن رشد… إلى أن الحقيقة هي الهدف الأسمى الذي يسعى إليه الإنسان الفيلسوف، وهي أس الكمال والسعادة والفضيلة. وبالتالي، لا تتحقق هذه الحقيقة إلا عن طريق استخدام العقل والبرهان والنظر المنطقي. لكن هؤلاء الفلاسفة كانوا يعترفون بأن ثمة حقيقتين: الحقيقة الفلسفية والحقيقة الشرعية. ومن ثم، تحيل هاتان الحقيقتان على مستوى التفسير الانعكاسي على الصراع الجدلي الذي احتدم في الواقع العربي الإسلامي بين الفقهاء والفلاسفة، وخاصة في العصر العباسي. إذ يحاول الفلاسفة الدفاع عن الفلسفة بصفة عامة، والفلسفة اليونانية بصفة خاصة، باحثين عن الشرعية النصية والقانونية والفقهية والواقعية التي تسمح لهم بممارسة فعل التفلسف، والاشتغال بفعل التمنطق. لكن هؤلاء الفلاسفة وجدوا معارضة كبيرة من قبل الفقهاء الذين كانوا ينطلقون من الظاهر النصي، فيحاربون الفلسفة جملة وتفصيلا ، ثم يربطونها بالكفر والزندقة، قائلين: من تمنطق تزندق. والدليل على ذلك ما فعلوه مع ابن رشد في الأندلس، حينما أحرقوا كتبه الفلسفية والمنطقية إبان الدولة الموحدية. لذلك، اضطر الفلاسفة الملسمون إلى عملية التوفيق بين الفلسفة والشريعة، وذلك من أجل إثبات حقيقة أساسية، ألا وهي: أن الحق لايضاد الحق. وهذا ما نجده واضحا جليا عند الفيلسوف المسلم الأول الكندي(803-873م).
أما إذا انتقلنا إلى أبي نصر الفارابي (259-339هـ)، فقد اعتمد على نظرية الفيض للتوفيق بين الدين والفلسفة، لكنه سقط في عملية التلفيق، وذلك حينما جمع بين أفلوطين وأفلاطون المثاليين، معتقدا أنه كان يوفق بين أفلاطون المثالي وأرسطو المادي. ومن ثم، يرى الفارابي أن الحقيقة لايتم إدراكها إلا عن طريق العقل والحكمة، وأن الحقيقة الأولية والأزلية هي حقيقة الله أو حقيقة الوحدة التي صدرت عنها كثرة الموجودات والخلائق. وفي هذا الصدد يقول الفارابي:” العلم بالحقيقة ماكان صادقا ويقينا في الزمان كله لا في بعض دون بعض وماكان موجودا في وقت وأمكن أن يصير غير موجود فيما بعد. فإنا إذا عرفنا موجودا الآن فإنه إذا مضى عليه زمان ما، أمكن أن يكون قد بطل، فلاندري هل هو موجود أم لا، فيعود يقيننا شكا وكذبا، وما أمكن أن يكذب فليس بعلم ويقين. فلذلك، لم يجعل القدماء إدراك ما يمكن أن يتغير من حال إلى حال علما، مثلما علمنا بجلوس هذا الإنسان الآن، فإنه يمكن أن يتغير فيصير قائما بعد أن كان جالسا، بل جعلوا العلم هو اليقين بوجود الشيء الذي لايمكن أن يتغير، مثل: أن الثلاثة عدد فرد؛ فإن فردية الثلاثة لا تتغير ، وذلك أن الثلاثة لا تصير زوجا في حال من الأحوال ولا الأربعة فردا…
الحكمة علم الأسباب البعيدة التي بها وجود سائر الموجودات كلها ووجود الأسباب القريبة للأشياء ذوات الأسباب، وذلك أن نتيقن بوجودها ونعلم ما هي وكيف هي وأنها- وإن كانت كثيرة – فإنها ترتقي على ترتيب إلى موجود واحد هو السبب في وجود تلك الأسباب البعيدة ومادونها من الأشياء القريبة، وأن ذلك الواحد هو الأول بالحقيقة…، وأنه لايمكن أن يكون إلا واحدا فقط، وأنه هو الواحد في الحقيقة، وهو الذي أفاد سائر الموجودات الوحدة التي بها صرنا نقول: لكل موجود إنه واحد، وأنه الموجود الواحد هو الحق الأول الذي يفيد غيره الحقيقة، ويكتفي بحقيقته عن أن يستفيد الحقيقة عن غيره…ولا وجود أتم من وجوده، ولا حقيقة أكبر من حقيقته، ولا وحدة أتم من وحدته، ونعلم مع ذلك كيف استفاد منه سائر الموجودات الوجود والحقيقة والوحدة، وما قسط كل واحد منها من الوجود والحقيقة والوحدة.”#
وتحيلنا هذه القولة على نظرية الفيض التي تبحث في كيفية صدور الكثرة عن الوحدة الإلهية ، وذلك في شكل انبثاق هرمي للموجودات عن الواحد الكل. ومن ثم، فالحقيقة الجوهرية هي حقيقة الذات الربانية التي خلقت العالم من العدم. وبالتالي، فالحقيقة هي التي تقترن بالثبات واليقين والوحدة.
هذا، ويتسم التوجه الفلسفي عند الفارابي في بحثه عن الحقيقة بالطابع التوفيقي والتمجيدي للبرهان الفلسفي ، كما يتضح ذلك بجلاء في كتابه:”الحروف” الذي يعتبر فيه الفارابي كل من حاد عن المنهج البرهاني ، فقد اعتمد على مجرد انطباعات حسية وآراء شائعة مشتركة بين عوام الناس. أما من تمثل سبيل البرهان، فهو من فئة الخواص. وبالتالي، فقد عرف الطريق الصحيح الموصل إلى الحقيقة الصادقة . وبالتالي، فقد سلك مسلك تحصيل اليقين الحقيقي:”ولا يزالون يجتهدون ويختبرون الأوثق إلى أن يتفقوا على الطرق الجدلية بعد زمان، وتتميز لهم الطرق الجدلية عن الطرق السوفسطائية…فلا تستعمل إلى أن تكمل المخاطبات الجدلية، فتبين بالطرق الجدلية أنها ليست هي كافية بعد في أن يحصل اليقين… فالتعليم الخاص هو بالطرق البرهانية فقط، والمشترك الذي هو العام فهو بالطرق الجدلية أو بالخطابية أو بالشعرية”.#
ويظهر لنا أن الفارابي والكندي ومن سار مسارهما مجرد تابعين من توابع الفلسفة الأرسطية المشائية، تلك الفلسفة التي تجعل من الفلسفة والبرهان آليتين من آليات المعرفة الحقيقية الصادقة. ويعني هذا أن العقل والمنطق- كما يتشخصان في الفلسفة اليونانية- من أهم الوسائل الناجعة للوصول إلى الحقيقة اليقينية سواء أكانت حقيقة أنطولوجية تتعلق بالوجود، أم كانت حقيقة إبستمولوجية تتعلق بالمعرفة، أم كانت حقيقة أكسيولوجية تتعلق بالقيم والأخلاق.
وإذا كان الفارابي فيلسوف العقل، فإن ابن سينا (370-428هـ) فيلسوف النفس، ويعني هذا أنه قد اشتغل كثيرا بحقائق النفس الإنسانية روحا وتصوفا، ولاسيما في كتابه” الإشارات والتنبيهات”#. وقد حاول ابن سينا، وذلك اعتمادا على نظرية الفيض الأفلوطينية، التوفيق بين الدين القائل بحدوث العالم والفلسفة القائلة بقدم العالم ، مستوحيا في ذلك أفكار وتصورات أستاذه الفارابي. وهكذا، فقد أثبت وحدة الحقيقة الربانية التي تصدر عنها الموجودات المتعددة فيضا وانبثاقا هرميا، كما أثبت أن السعادة الحقيقية تنتج عن طريق تنقية الروح ، وتطهير النفس ، ولم يعط الجسد أو البدن أي اهتمام في ذلك؛ لأن الإنسان يبعث روحا، ولايبعث جسدا .
وإذا كان المؤلفون القدامى والباحثون المعاصرون يتفقون في القول:” إن الشيخ الرئيس أبا علي ابن سينا لايختلف، في آرائه الفلسفية، عن الفارابي إلا في بعض التفاصيل والجزئيات.بل إن منهم من يذهب إلى القول بأن ابن سينا لم يعمل في الحقيقة إلا على توضيح وتبسيط الأقاويل التي قررها الفارابي من قبل: فما أعطاه الفارابي موجزا مجملا، قدمه ابن سينا مبسطا مفصلا.”#، فإن الدكتور محمد عابد الجابري يرى أنه مهما كان هناك من اتفاق على المستوى النظري، فهناك اختلاف كذلك على المستوى المرجعي والإيديولوجي :” إن ابن سينا حينما تبنى المنظومة الميتافيزيقية الفارابية، تبناها كمنظومة معرفية وليس كحلم إيديولوجي. ولم يكن هذا راجعا إلى قراره واختياره، بل كان ذلك هو قرار التاريخ.”#
ويدل هذا على أن الفارابي كان يحلم بدولة قوية موحدة السلطة، مركزها العقل والإخاء الفلسفي، في حين أن ابن سينا كان يعبر عن دولة بدأت تتفكك إلى إمارات متعددة، تنعدم فيها وحدة السلطة واستمرارية الدولة . ويعني هذا أن هناك انتقالا من حلم المدينة الفاضلة القائمة على وحدة السلطة والعقل كما هو الحال عند الفارابي، إلى حلم ضائع مبني على مدينة مفككة في عهد ابن سينا. إذاً، هذا هو الاختلاف الإيديولوجي الذي كان يميز بين الفيلسوفين ، وذلك على الرغم من وحدة التصور الفلسفي والتأمل النظري#.
وإذا انتقلنا إلى فيلسوف آخر ألا وهو الغزالي (1057-1111م)، فإنه يرى الشك هو السبيل الوحيد إلى الوصول إلى الحقيقة اليقينية، وقد سبق في ذلك الفيلسوف الفرنسي ديكارت (1596-1650م )الذي اعتمد معيار الشك للتأكد من حقيقة وجوده ، ووجود الله والعالم الخارجي على حد سواء(نظرية الكوجيطو). وقد ارتأى الغزالي أن الحس بمفرده غير كاف للوصول إلى الحقيقة، حتى العقل بمفرده غير قادر على استكشاف الحقيقة، فلابد من ممارسة الشك من أجل تحقيق الهدف الأسمى الذي يتمثل في الوصول إلى الحقيقة. وبتحصيل الحقيقة، تتحقق السعادة والفضيلة والكمال. وهكذا، يرى الغزالي أن الحقيقة تنبني على الشك اليقيني سواء أكان ذلك الشك قائما على الحس أم العقل أم القلب الصوفي:”ثم فتشت علومي فوجدت نفسي عاطلا من علم موصوف بهذه الصفة إلا في الحسيات والضروريات. فقلت: الآن بعد حصول اليأس، لامطمع في اقتباس المشكلات إلا من الجليات، وهي الحسيات والضروريات. فلابد من إحكامها أولا لأتيقن أن ثقتي بالمحسوسات، وأماني من لغط في الضروريات، من جنس أماني الذي كان من قبل في التقليديات، ومن جنس أمان أكثر الخلق في النظريات، أم هو أمان محقق لاغدر فيه ولاغائلة له؟ فأقبلت بجد بليغ أتأمل في المحسوسات والضروريات، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها؛ فانتهى بي طول التشكك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضا، وأخذت تتسع للشك فيها…فقالت المحسوسات: بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات ، وقد كنت واثقا بي، فجاء حاكم العقل فكذبني، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي، فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر، إذا تجلى ، كذب العقل في حكمه، كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه… ودام قريبا من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لابحكم النطق والمقال، حتى شفي الله تعالى من ذلك المرض، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف.فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة، فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة.”#
هذا، ويرى أبو حامد الغزالي في كتابه:” إحياء العلوم” أن الحقيقة المطلقة يتم تحصيلها عن طريق القلب والإلهام عند الصوفية والأولياء والأصفياء، ويتم تحصيلها عن طريق الوحي عند الأنبياء، وتكتسب عن طريق الاستدلال والاعتبار والاستبصار عند العلماء:” اعلم أن العلوم التي ليست ضرورية- وإنما تحصل في القلب في بعض الأحوال- تختلف الحال في حصولها، فتارة تهجم على القلب كأنه ألقى فيه من حيث لايدري، وتارة تكتسب بطريقة الاستدلال والتعلم. فالذي يحصل لا بطريق الاكتساب وحيلة الدليل يسمى إلهاما، والذي يحصل بالاستدلال يسمى اعتبارا واستبصارا. ثم الواقع في القلب بغير حيلة وتعلم واجتهاد من العبد ينقسم إلى مالايدري العبد أنه كيف حصل له ومن أين حصل؟ وإلى مايطلع معه على السبب الذي منه استفاد ذلك العلم، وهو مشاهدة الملك الملقى في القلب. والأول: يسمى إلهاما ونفثا في الروع، والثاني: يسمى وحيا وتختص به الأنبياء. والأول يختص به الأولياء والأصفياء. والذي قبله- وهو المكتسب بطريقة الاستدلال- يختص به العلماء. وحقيقة القول فيه أن القلب مستعد لأن تنجلي فيه حقيقة الحق في الأشياء كلها، وإنما حيل بينه وبينها بالأسباب الخمسة- التي سبق ذكرها- فهي كالحجاب المسدل الحائل بين مرآة القلب وبين اللوح المحفوظ الذي هو منقوش بجميع ما قضى الله به إلى يوم القيامة. وتجلى حقائق العلوم من مرآة اللوح في مرآة القلب يضاهي انطباع صورة من مرآة في مرآة تقابلها.”#
وقد انتقد الغزالي الفلاسفة المسلمين في كتابه:” تهافت الفلاسفة”#، وذلك في عشرين مسألة، معتمدا في ذلك على الدين والمنطق، حيث بدعهم في سبع عشرة مسألة، وكفرهم في ثلاث مسائل أو حقائق فلسفية، ويمكن حصرهذه الحقائق الثلاث في القضايا التالية:
1- مسألة قدم العالم وأزليته، حيث قال الفلاسفة باستحالة صدور حادث عن قديم أصلا.
2- قضية العلم الإلهي، حيث يذهب الفلاسفة إلى أن الله يعلم الكليات دون الجزئيات.
3- حشر النفوس دون الأجساد، حيث يرى الفلاسفة المسلمون أن الله سيبعث النفوس دون الأجساد.
وهكذا، فالغزالي يخالفهم في ذلك ، إذ يثبت أن الله يعلم الكليات والجزئيات على حد سواء، وأن الله أيضا سيبعث النفوس والأجساد معا، ويؤكد كذلك بإمكان صدور الحادث عن القديم أصلا. ومن ثم، فقد وضع الغزالي حدا نهائيا للميتافيزيقا الإسلامية، واختار منهجا آخر في المعرفة ، ألا وهو المنهج الصوفي ؛ حيث اعتبر الخلوة مصدرا للمعرفة ، وطريقا مؤديا إلى الحقيقة الربانية السرمدية.
أما إذا انتقلنا إلى الفلسفة بالغرب الإسلامي، فقد كانت الحقيقة الربانية حاضرة ، إلى جانب حقائق أخرى كحقيقة الوجود، وحقيقة المعرفة، وحقيقة القيم بما فيها: الخير، والسعادة ، والعدل ، والجمال… بيد أن أهم ماتميزت به الفلسفة المغربية هي الانشغال بترجمة كتب أرسطو، والاهتمام بالميتافيزيقا والمنطق، والتوفيق بين الدين والفلسفة على أن الشرع منفصل عن الحكمة، لكن هدفهما واحد ألا وهو استخدام العقل من أجل إدراك الحقيقة ، حقيقة الصانع وحقيقة المصنوعات والموجودات التي خلقها هذا الصانع الماهر. ومن أهم الفلاسفة الذين انشغلوا بعملية التوفيق بين الدين والفلسفة، نستحضر: ابن باجة، وابن طفيل، وابن حزم، وابن رشد، وموسى بن ميمون…#
فإذا بدأنا بالفيلسوف الأندلسي ابن باجة (ت.532هـ) في كتابه:” تدبير المتوحد”، فقد رفض هذا الفيلسوف العقلاني المنهج الصوفي في إدراك الحقيقة كما عند ابن سينا، واعتبر العقل أو البرهان هو الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى امتلاك الحقيقة اليقينية (حقيقة معرفة الله)، وقد تأثر في ذلك بالفارابي كل تأثير. ويقول الدكتور محمد علي أبو ريان عن ابن باجة:” ومما تجدر الإشارة إليه أنه كما كان ابن مسرة يمثل في المغرب اتجاها يميل إلى التصوف وإلى الإدراك الذوقي لحقائق الوحي والألوهية وتحقيق السعادة واللذة عن طريق المشاهدة الصوفية ( وقد سار ابن عربي فيما بعد على هذا الدرب) ، نجد أن ابن باجة يرفض هذا الاتجاه ، وينتقد موقف الغزالي في المشرق الذي قال بأن العالم العقلي لاينكشف للانسان إلا بالخلوة، فيرى الأنوار الإلهية ، ويلتذ بها لذة كبيرة، ويقول ابن باجة: إن الغزالي حسب الأمر هينا حينا ظن أن السعادة إنما تحصل للمرء عن طريق امتلاكه للحقيقة بنور يقذفه الله في القلب. بل الحق أن النظر العقلي الخالص الذي لاتشوبه لذة حسية هو وحده الموصول إلى مشاهدة الله، أما المعرفة الصوفية بما تنطوي عليه من صور حسية فإنها تكون عائقا عن الوصول إلى معرفة الله إذ هي تحجب وجه الحقيقة.
فالمعرفة العقلية هي وحدها التي تقود الإنسان إلى معرفة نفسه بنفسه ومعرفة العقل الفعال، وقد تأثر ابن رشد بموقفه هذا.
وكتاب” تدبير المتوحد” لابن باجة يبين معالم الطريق الموصول إلى العقل الفعال.
وتقال لفظة التدبير على ترتيب أفعال نحو غاية مقصودة، وليست هذه الغاية سوى الاتحاد بالعقل الفعال، ولهذا فإن الطريق الذي يرسمه الكتاب هو المنهج الذي يسير عليه الإنسان حتى يبلغ هذه الغاية المنشودة.
ولكن هذا المنهج ليس منهجا صوفيا يستخدم فيه المريد أسلوب المجاهدة والتطهير، بل هو تدبير الأعمال بالعقل، واستخدام الرؤية، ولايقدر على هذا غير الإنسان.”#
وقد سبق لابن طفيل أن حاول التوفيق بين الدين والفلسفة ، وذلك في كتابه ” حي بن يقظان”، حيث يمثل آبسال الحقيقة الدينية التي توصل إليها عن طريق النص والشرع والوحي. في حين، يمثل حي الحقيقة العقلية التي توصل إليها عن طريق البرهان والاستبصار والتأمل المنطقي. وحينما التقيا على أرض الجزيرة، وجدا أن حقيقة الدين النصية والحقيقة الفلسفية العقلية لاتتعارضان إطلاقا مع حقيقة الفلسفة العقلانية والبرهانية.
وإذا كانت الفلسفة المشرقية – كما هي عند الفارابي وابن سينا- قائمة على فلسفة الاتصال بين النص والعقل، والخلط بين أفلاطون المثالي وأرسطو المادي ، وذلك من خلال استحضار أفلوطين المثالي الهرمسي أثناء عملية التوفيق، والوقوع في التلفيق أثناء المؤالفة بين الحكمة والشريعة، فإن فلاسفة المغرب قد انطلقوا منذ البداية بأن الفلسفة ليست هي الشريعة، ولكن هدفهما واحد، مادام الشرع يدعو إلى استخدام العقل والنظر البرهاني، فكذلك الحكمة أو الفلسفة فهي تنادي إلى استخدام العقل في معرفة المصنوعات ومعرفة الصانع. ومن هنا، فالدين ليس هو الفلسفة، ولكن يتفقان من حيث الهدف ألا وهو استخدام العقل. وبما أن هدفهما واحد، فلابأس من الاستعانة بعلوم الأوائل، ودراسة الفلسفة والمنطق كما لدى اليونان، وهذا ما يذهب إليه ابن رشد كذلك.
وبناء على ماسبق، يقول محمد عابد الجابري معقبا على فلسفة ابن طفيل:” ومما هو جدير بالملاحظة أن الفيلسوف الأندلسي يترك الطريقين متوازيين في النهاية كما وضعهما في البداية.لقد فشل حي بن يقظان في إقناع سلامان وجمهوره بأن معتقداتهم الدينية هي مجرد مثالات ورموز للحقيقة المباشرة التي اكتشفها بالعقل، فشل حي في ذلك وعاد إلى جزيرته الشيء الذي يعني فشل المدرسة الفلسفية في المشرق التي بلغت أوجها مع ابن سينا في محاولتها الرامية إلى دمج الدين في الفلسفة . أما البديل الذي يطرحه ابن طفيل، بل المدرسة الفلسفية في المغرب والأندلس، بكامل أعضائها، فهو الفصل بين الدين والفلسفة.”#
ويعني هذا أن فلاسفة الغرب الإسلامي – حسب محمد عابد الجابري- بعمليتهم التوفيقية هاته ، والقائمة على الفصل بين الشرع والفلسفة، قد أسسوا بشكل من الأشكال مدرسة فلسفية مغربية مستقلة، تتميز كثيرا عن المدرسة الفلسفية المشرقية التي سقطت في التلفيق والخلط المنهجي ، وتوظيف المؤثرات الدينية الهرمسية والغنوصية والأفلوطينية… وقد اتضحت هذه المدرسة الفلسفية المغربية مع ابن رشد على سبيل الخصوص. وفي هذا النطاق، يقول الجابري:” ننظر إلى المدرسة الفلسفية التي عرفها المغرب الإسلامي على عهد الدولة الموحدين، كمدرسة مستقلة تماما عن المدرسة- أو المدارس- الفلسفية في المشرق، فلقد كان لكل واحدة منهما منهجها الخاص، ومفاهيمها الخاصة، وإشكاليتها الخاصة كذلك.لقد كانت المدرسة الفلسفية في المشرق، مدرسة الفارابي وابن سينا بكيفية أخص، تستوحي آراء الفلسفة الدينية التي سادت في بعض المدارس السريانية القديمة، خاصة مدرسة حران، والمتأثرة إلى حد بعيد بالأفلاطونية المحدثة. أما المدرسة الفلسفية في المغرب، مدرسة ابن رشد خاصة، فقد كانت متأثرة إلى حد كبير بالحركة الإصلاحية، بل بالثورة الثقافية، التي قادها ابن تومرت، مؤسس دولة الموحدين، التي اتخذت شعارا لها:” ترك التقليد والعودة إلى الأصول”. ومن هنا، انصرفت المدرسة الفلسفية في المغرب إلى البحث عن الأصالة من خلال قراءة جديدة للأصول… ولفلسفة أرسطو بالذات.
إن الانفصال الظاهري بين المدرستين بوصفهما تنتميان إلى مااصطلح على تسميته بـ” الفلسفة الإسلامية ” أو ” الفلسفة في الإسلام”، لاينبغي أن يخفي عنا ” انفصالا” أعمق بينهما.لقد عالج فلاسفة الإسلام، بالفعل، نفس الموصوعات، وتناولوا نفس المشاكل، ولكن ما يميز فكرا فلسفيا معينا- كما يقول برييه- ليس الموضوع الذي يتناوله، ولا النظريات التي يدافع عنها، ” إن الأهم من ذلك هو النظر إلى الروح التي يصدر عنها والنظام الفكري الذي ينتمي إليه”. ونحن نعتقد أنه كان هناك روحان ونظامان فكريان في المشرق والفكر النظري في المغرب، وأنه داخل الاتصال الظاهري بينهما كان هناك انفصال نرفعه إلى درجة القطيعة الإبستمولوجية بين الاثنين، قطيعة تمس في آن واحد: المنهج والمفاهيم والإشكالية.”#
ويعني هذا أن هناك قطيعة إبستمولوجية بين المدرستين المغربية والمشرقية في مجال الفلسفة ، وذلك على مستوى الطرح النظري، وعلى مستوى المنهج والمعالجة، وعلى مستوى البعد المرجعي والإيديولوجي.
وبناء على ماسبق، نستحضر ابن رشد (520-595هــ)، وذلك باعتباره من أهم فلاسفة المدرسة المغربية ، فقد تميز بالعقلانية التي كانت أساس النهضة الأوربية، وقد تجلت هذه العقلانية الرشدية في ترجمة كتب أرسطو وشرحها، ولاسيما كتبه المنطقية والميتافيزيقية، كما توفق في التوفيق بين الدين والفلسفة داخل أرضية شرعية .
هذا، ويذهب ابن رشد في كتابه ” فصل المقال” #إلى أن هناك حقائق عدة توصل الإنسان إلى حقيقة يقينية واحدة، وهي الحقيقة الربانية القائمة على التوحيد، ونبذ التعددية والشرك الوثني. وهكذا، نجد أن هناك من يعتمد على الخطابة للوصول إلى الحقيقة كالفقهاء، وهناك من يختار الجدل كعلماء الكلام (المعتزلة والأشاعرة والماتريدية…)، وهناك من يعتمد على العرفان كالمتصوفة، وهناك من يفضل البرهان كالفلاسفة للوصول إلى الحقيقة الصادقة. لكن ابن رشد يرى أن الحقيقة اليقينية لايمكن الوصول إليها إلا عن طريق البرهان العقلي، ذلك البرهان الذي لايتعارض مع الشرع الرباني مادام الحق لايضاد الحق، بل يوافقه ويلائمه هدفا ووظيفة ومقصدا. ويتمثل ذلك في معرفة الحق، والتأكد من وجود الله عز وجل صانع هذا الكون الأرحب والمعجز. وبهذا، يعمد ابن رشد إلى التوفيق بين الفلسفة والشريعة على غرار الفلسفة المغربية كما عند ابن طفيل وابن باجة مثلا، مع الاستفادة بشكل من الاشكال من الفلسفة المشرقية كما هي عند الكندي، والفارابي، وابن سينا، و الغزالي…
ويقول ابن رشد في كتابه” فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال “:”وإذا كنا نعتقد، معشر المسلمين، أن شريعتنا، هذه الإلهية، حق، وأنها التي نبهت على هذه السعادة. ودعت إليها التي هي المعرفة بالله عز وجل، وبمخلوقاته، فإن ذلك متقرر عند كل مسلم من الطريق الذي اقتضته جبلته وطبيعته من التصديق، وذلك أن طباع الناس متفاضلة في التصديق، فمنهم من يصدق بالبرهان، ومنهم من يصدق بالأقاويل الجدلية تصديق صاحب البرهان، إذ ليس في طباعه أكثر من ذلك، ومنهم من يصدق بالأقاويل الخطابية كتصديق صاحب البرهان بالأقاويل البرهانية.
وإذا كانت الشريعة حقا، وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإنا معشر المسلمين نعلم على القطع، أنه لايؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ماورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له.”#
وهكذا، يتبين لنا بأن المشروع الرشدي ينطلق من مبدإ عام هو:” إن الحقيقة واحدة وإدراك الناس لها يختلف بالدرجة فقط، وليس بالنوع”، وفي ضوء هذا الفهم للحقيقة، وأهلية الناس على إدراكها، يناقش ابن رشد إشكالية العقل والانغلاق المذهبي، ويحاول أن يعيد رسم حدود العلاقة بين الدين والفلسفة أو العقل والوحي، بما يحفظ لكل منهما حضوره ووظيفته ونشاطه على مستوى القول المعرفي والبناء الاجتماعي.”#
ويعني هذا أن ابن رشد قد تناول وحدة الحقيقة على مستوى الهدف والمقصد(وحدة الحقيقة الربانية). وتحدث، في الوقت نفسه، عن تنوع المنهج في الوصول إلى الحقيقة (المنهج البياني ، والمنهج البرهاني، والمنهج العرفاني). وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على انفتاح ابن رشد على الخطابات الفكرية والفلسفية الأخرى، وتجنب الانغلاق والتعصب في مجال الفكر والتأمل، مع الأخذ بفلسفة التسامح والتفاهم والتعايش في التعامل مع أطروحات الآخرين ، بما فيهم الفلاسفة اليونانيون.
ومن هنا، فقد رد ابن رشد على الغزالي الذي كفر الفلاسفة في كتابه:” تهافت الفلاسفة”#، فصنف كتابا تحت عنوان:” تهافت التهافت” ، وذلك للرد على الغزالي في ثلاث مسائل أو حقائق كبرى كفر فيها فلاسفة الإسلام، معتمدا في ذلك على المنطق أولا، والدين ثانيا. وهذه الحقائق الفلسفية هي: قدم العالم، وعلم الله الكليات دون الجزئيات، وحشر النفوس دون الأبدان أو الأجساد.
3- مفهوم الحقيقة عند المتصوفة:
وإذا كان الفقهاء يعتمدون على ظاهر النص في الوصول إلى الحقيقة الربانية، وعلماء الكلام يستندون إلى الجدل الافتراضي، والفلاسفة يعتمدون على العقل والمنطق أو البرهان الاستدلالي، فإن المتصوفة يعتمدون على الذوق والحدس والوجدان والقلب في إدراك هذه الحقيقة السرمدية. أي: إن لغتهم لغة باطنية تنفي الوساطة، وترفض الحسية، وتتجاوز نطاق الحس والعقل إلى ماهو غيبي وجداني وذوقي . ومن ثم، فاللغة قاصرة في ترجمة التجربة الصوفية اللدنية الجوانية. لذلك، يلتجئ المتصوفة إلى مصطلحات رمزية لها سياقات خاصة، وهذه المصطلحات كثيرة يصعب حصرها، استقيت من مجالات عدة . ومن هنا، يمكن الحديث عن اللفظ المشترك داخل الحقل الصوفي . ومن هذه العلوم التي نهلت منها الكتابة أو الممارسة الصوفية، نذكر: : علوم الشريعة،وعلوم العقيدة، والآداب، وعلوم اللغة، والفلسفة، وعلوم الآلة، فضلا عن القرآن والسنة وعلم الحروف والكيمياء…
ومن مشاكل الاصطلاح الصوفي التعدد في الألفاظ، والتعدد في المعاني، والاختلاف بين الصوفية في معنى مفهوم ما، وهذا راجع لاختلاف التجربة الصوفية من تجربة إلى أخرى. #
وعليه، فهناك مجموعة من القضايا والإشكاليات التي يجب الوقوف إليها عند المتصوفة، وهي: قضية العرفان ، وثنائية الظاهر والباطن، وإشكالية التأويل؛ لأنها هي التي ستميز الخطاب الصوفي عن الخطاب الفلسفي، والخطاب الفقهي، والخطاب الكلامي. فهذا أبو نصر السراج الطوسي ، وهو من أوائل المؤلفين في تاريخ التصوف في الإسلام، يعتبر المتصوفة من علماء الباطن. وبالتالي، فالتصوف هو علم الباطن، بينما الفقه هو علم الظاهر. وفي هذا يقول في كتابه” اللمع”:”إن العلم ظاهر وباطن. وهو علم الشريعة الذي يدل ويدعو إلى الأعمال الظاهرة والباطنة. والأعمال الظاهرة كأعمال الجوارح وهي العبادات والأحكام… وأما الأعمال الباطنة فكأنما القلوب وهي المقامات والأحوال… ولكل عمل من هذه الأعمال الظاهرة والباطنة علم وفقه وبيان وفهم وحقيقة ووجد… فإذا قلنا: علم الباطن أردنا بذلك علم أعمال الباطن التي هي الجارحة الباطنة وهي القلب، وأما إذا قلنا: علم الظاهر أشرنا إلى علم الأعمال الظاهرة التي هو الجوارح الظاهرة وهي الأعضاء، وقد قال تعالى:” وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة”(لقمان20). فالنعمة الظاهرة ما أنعم الله تعالى بها على الجوارح الظاهرة من فعل الطاعات، والنعمة الباطنة ما أنعم الله تعالى بها على القلب من هذه الحالات. ولا يستغني الظاهر عن الباطن ولا الباطن عن الظاهر، وقد قال الله عز وجل” ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم”( النساء83)، فالعلم المستنبط هو العلم الباطن وهو علم أهل التصوف لأن لهم مستنبطات من القرآن والحديث وغير ذلك… فالعلم ظاهر وباطن والقرآن ظاهر وباطن، وحديث رسول ( صلعم) ظاهر وباطن والإسلام ظاهر وباطن”.#
ومن هنا، فإن المتصوفة يتجاوزون الحس والظاهر إلى استكناه القلب، واستنطاق مقاماته وأحواله لتأسيس تجربة روحانية، وتأصيل حضرة ربانية قوامها: العشق، والمحبة، والزهادة، وتأويلها عرفانيا ولدنيا، بينما يكتفي الفقهاء وعموم الناس بظاهر النصوص، والالتزام بسياقاتها السطحية، وذلك مخافة من التأويل، وإثارة الفتنة في المجتمع.
هذا، ويمكن الحديث عن نوعين من المصادر التي كانت وراء نشوء التصوف الإسلامي: أولا، المصادر الداخلية التي تتمثل في القرآن الكريم، والسنة النبوية، والظروف السياسية والاجتماعية التي كانت تمر منها الأمة الإسلامية.
ثانيا، المصادر الخارجية التي تتمثل في الفكر الغنوصي، والهرمسية، والأفلاطونية المحدثة، والتشيع، والفكر الباطني، ناهيك عن التيارات الهندية والفارسية والمسيحية واليهودية.
وإذا كان الزهد والتصوف الإسلامي السني لهما جذور داخلية بدون شك، فإن التصوف الفلسفي كما عند الحلاج، وأبي يزيد البسطامي، وابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض، والسهروردي، على الرغم من طابعه السني والشرعي في الكثير من النصوص و المواقف، فإن له جذورا خارجية؛ نظرا لتأثره بالفكر الهرمسي، كما يقول الدكتور عابد الجابري في كتابه:”بنية العقل العربي”:”وإنما ذكرنا الإسماعيلية هنا لأنه عنهم كان ابن العربي يأخذ مواد عرفانيته، ومن نفس النبع الذي غرفوا منه كان يستسقي الهرمسية.”.#
ويذهب ابن خلدون في كتابه “المقدمة” إلى أن المتصوفة المتأخرين قد تأثروا بالشيعة الغلاة والفكر الباطني المنحرف. ويقول ابن خلدون في هذا الصدد:” إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف، وفيما وراء الحس، توغلوا في ذلك، فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة، وملأوا الصحف منه، مثل: الهروي في كتابه “المقامات” وله غيره، وتبعهم ابن العربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلهية الأئمة مذهبا لم يعرف لأولهم، فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر، واختلط كلامهم، وتشابهت عقائدهم”.#
وتحيل نظرية الحلول ومحبة الله ولبس الصوف على العقيدة المسيحية ، بينما تحيل فكرة الفناء على النرڤانا البوذية، وتشير أفكار ذي النون المصري إلى تصورات أفلوطين، وتختلط أفكار ابن عربي بأفكار الشيعة الباطنية والهرمسية الشرقية.
وقد دفعت الشطحات التي كان ينطق بها المتصوفة كثيرا من المستشرقين ليربطوا التصوف الإسلامي بمؤثرات خارجية هندوسية وبوذية وزرادشتية، مثل: شطحات أبي يزيد البسطامي الذي قال:” رفعني- الله- مرة فأقامني بين يديه، وقال لي يا أبا يزيد:إن خلقي يحبون أن يروك. فقلت: زيني بوحدانيتك، والبسني أنانيتك، وارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك ، فتكون أنت ذاك ولا أكون أنا هناك”. ومن ذلك أيضا قوله:” أول ما صرت إلى وحدانيته فصرت إلى وحدانيته فصرت طيرا جسمه من الأحدية وجناحاه من الديمومة، فلم أزل أطير في هواء الكيفية عشر سنين حتى صرت إلى هواء مثل ذلك مائة ألف مرة. فلم أزل أطير إلى أن صرت في ميدان الأزلية فرأيت فيها شجرة أحدية، ثم وصفت أرضها وأصلها وفرعها وأعضاءها وثمارها…فنظرت فعلمت أن هذا كله خدعة”.#
فهذه الشطحات كثيرة في متون العرفانيين، أمثال: جلال الدين الرومي، والسهروردي، وابن عربي، وأبي يزيد البسطامي، والحلاج، وابن الفارض، وابن سبعين…
وهكذا، فقد ارتبطت الحقيقة عند المتصوفة في التاريخ الإسلامي بالقلب العرفاني تحلية وتخلية ووصالا، واقترنت بالروح الوجدانية حضرة وسلوكا ومقاما، واختلطت بالهذيان اللاشعوري تأويلا وإفصاحا وتعبيرا، وارتكزت على السحر الأسطوري فهما وتفسيرا، واستندت إلى الكرامات الخرافية الغيبية سردا وتخييلا وتخطيبا، واعتمدت على التصورات العجائبية الخارقة. كما ارتبطت الحقيقة الصوفية عند الفرق الطرقية بالتدجين، والاستلاب، واستغلال الناس، وخدمة السلطة الحاكمة الجائرة، وذلك على حساب الحقيقة الصادقة واليقينية.
هذا، وقد نشب خلاف كبير حول قيمة التصوف في المجتمع العربي الإسلامي، فهناك من يدافع عنه، ويعتبره فعلا إيجابيا . وهناك من ينظر إليه نظرة سلبية. ومن هؤلاء: الدكتور محمد عابد الجابري الذي اعتبر الفكر الصوفي العرفاني فكرا خرافيا أسطوريا، وسلوكا تواكليا، فالحقيقة عند الصوفية” ليست الحقيقة الدينية ولا الحقيقة الفلسفية ولا الحقيقة العلمية، بل الحقيقة عندهم هي الرؤية السحرية للعالم التي تكرسها الأسطورة”.#
ولكن هناك من يشيد بالفكر الصوفي، ويعتبره مسلكا للنجاة والخروج من أزمات الحياة المعاصرة، لأن مشكلاتنا مشكلات أخلاقية، وأزمات روحية. كما أن الكثير من الطرق الصوفية قامت بدور هام في ميدان الجهاد، وطرد المستعمر، وحماية ثغور الوطن، وساهمت في خدمة المجتمع ، وذلك عن طريق الكرم والإنفاق والإحسان. زد على ذلك، أن التصوف أصبح اليوم علاجا سيكولوجيا؛ لأنه يحرر الإنسان من شرنقة أمراضه العضوية والنفسية، ويخرجه من عزلته الاجتماعية، ويداويه من القلق والكآبة والوحدة والاغتراب الذاتي والمكاني.
وما أشد حاجتنا اليوم إلى تصوف معاصر يساير الحداثة، ويواكب التقدم العلمي والتقني والفني! تصوف ينخرط في المجتمع انخراطا حقيقيا، وذلك عن طريق تقديم مقاربات أخلاقية ونفسية وروحية ، تعالج كل المشاكل التي يعاني منها العالم الإسلامي المعاصر، ولاسيما أن أزمتنا المعاصرة هي أزمة ضمير وأخلاق، وتردي القيم الأصيلة، وانحطاط الإنسان كينونة ووجودا وقيمة.
وهكذا، فقد ناقش الفكر الإسلامي مجموعة من الحقائق الكبرى ، لكن تبقى الحقيقة الربانية (التوحيد) أهم هذه الحقائق وأسماها، فقد وجدناها مطروحة عند علماء الكلام والفلاسفة والمتصوفة. بيد أن ثمة حقائق أخرى قد تم مناقضتها في حقل الفكر الإسلامي كمسألة العقل والنقل، ومسألة الظاهر والباطن، ومسألة التأويل بين الحرفي والمجازي، ومسأالة التوفيق بين الشرع والحكمة، ناهيك عن مناقشة الكثير من القضايا السياسية والاجتماعية والميتافيزيقية التي طرحتها الفلسفة اليونانية من جهة، والواقع العربي الإسلامي من جهة أخرى.
ونخلص من كل هذا أن الفلاسفة والعلماء المسلمين قد انشغلوا بحقيقتين مترابطتين أو متلازمتين: الحقيقة الميتافيزيقية التوقيفية التي نوقشت في ضوء الدين والمنطق الافتراضي الصوري، والحقيقة العلمية التوفيقية التي نوقشت في ضوء مناهج الاستقراء والاستنباط والتجريب. وهناك حقيقة ثالثة وسيطية اهتم بها الفقهاء وعلماء اللغة والأدب، ونسميها الحقيقة البيانية التي نوقشت في ضوء الرواية والتقعيد والاستنباط والاجتهاد.
. المصادر والمراجع العربية:
1- ابن خلدون: المقدمة، دار الفكر، بيروت، لبنان، غير مؤرخة.
2- ابن رشد: تهافت التهافت، ضبط وتقديم وتعليق: الدكتور محمد العريبي، دار الفكر اللبناني، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1993م.
3- ابن رشد: فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، دراسة وتحقيق: دكتور محمد عمارة، دار المعارف، القاهرة، مصر، الطبعة الثالثة 1999م.
4- ابن رشد: فصل المقال، دار المعارف، القاهرة، مصر، طبعة 1972م.
أرنولد توينبي: مختصر دراسة التاريخ، الجزء الثالث، ترجمة: فؤاد شبل، نشر جامعة الدول العربية، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى .
5- ابن سينا: الإشارات والتنبيهات (مع شرح نصير الدين الطوسي)، تحقيق: سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة، مصر، الجزء الثالث، الطبعة الثانية، سنة 1968م.
6- ابن منظور: لسان العرب، الجزء الثالث، دار صبح بيروت، لبنان، وأديسوفت، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م.
7- أبو الحسن الجرجاني: التعريفات، الدار التونسية للنشر، تونس، طبعة 1971م.
8- أبو نصر السراج الطوسي: اللمع، تحقيق عبد الحليم محمود وطه عبد القادر، مطبعة المثنى ببغداد ودار الكتب الحديثة بالقاهرة، 1960م.
9- د.أحمد أمين: ظهر الإسلام، المجلدالثاني(3-4)، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الخامسة سنة 1969م.
10- د.أحمد أمين: زعماء الإصلاح في العصر الحديث، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.
11- أفلاطون: جمهورية أفلاطون، ترجمة: حنا خباز، دار القلم، بيروت، لبنان، بدون توثيق للطبعة وبدون تحديد لتاريخها.
12- أفلاطون: الجمهورية، ترجمة: فؤاد زكريا، دار الكتاب العربي، مصر، طبعة 1968م.
13- باسكال: خواطر، تقديم: مارسيل غرسان، النادي الفرنسي للكتاب، طبعة 1963م.
14- جمال الدين الأفغاني: (الوحدة والسيادة)، جريدة العروة الوثقى، باريس، 14 غشت1884م.
15- جمال الدين الأفغاني: (عصبية الجنس وعصبية الدين)، جريدة العروة الوثقى، باريس، 24 غشت1884م.
16- جمال الدين الأفغاني: (أمة واحدة)، جريدة العروة الوثقى، باريس، 28 غشت1884م.
17- ديكارت: مبادئ الفلسفة، ترجمة: عثمان أمين، مكتبة النهضة المصرية، طبعة 1960م.
18- شكيب أرسلان: لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟، دار القلم بدمشق، والدار الشامية ببيروت، الطبعة الثانية 2009م.
19- د.عبد المنعم الحفني: الموسوعة الفلسفية، دار المعارف للطباعة والنشر، سوسة، تونس، الطبعة الأولى سنة 1992م.
20- د.عابد الجابري: بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1986م.
21- د. عابد الجابري: نحن والتراث، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الخامسة، 1986م.
22- عبد الرحمن الكواكبي: الأعمال الكاملة، دراسة وتحقيق: د: محمد عمارة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية سنة1975م.
23- عبد الرحمن الكواكبي: طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، دار النفائس، بيروتن لبنان، الطبعة الثانية، ص:1986م.
24- الغزالي: إحياء علوم الدين، الجزء الثالث، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، بدون تاريخ للطبعة.
25- الغزالي: المنقذ من الضلال، دار الأندلس، بيروت، لبنان.
26- الغزالي: تهافت الفلاسفة، تحقيق: سليمان دينا، دار المعارف، القاهرة، مصر، طبعة 1964م.
27- الفارابي: كتاب الحروف، تحقيق: محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، لبنان، طبعة 1970م.
28- الفارابي: فصول منتزعة، تحقيق فوزي متري نجار، دار المشرق، بيروت، لبنان، طبعة 1971م.
29- د.فاروق أبو زيد: أزمة الفكر القومي في الصحافة المصرية، دار الفكر والفن، القاهرة، مصر، طبعة 1976م.
30- د.فوزي حجامد الهيتي: إشكالية الفلسفة في الفكر العربي الإسلامي (ابن رشد نموذجا)، مركز دراسات فلسفة الدين، دار الهادي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، سنة 2005م.
31- قاسم أمين: الأعمال الكاملة، إعداد الدكتور محمد عمارة، دار الشروق، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية 1989م.
32- محمد بديع الكسم: البرهان في الفلسفة، ترجمة جورج صدقني، منشورات وزارة الثقافة، سوريا، دمشق، طبعة 1991م.
33- د. محمد علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار النهضة العربية، بيروتن لبنان، طبعة 1976م،
34- د.محمد عمارة: الأعمال الكاملة للأفغاني، دار الكتاب العربي، القاهرة، مصر، طبعة 1968م.
35- محمد عبده: الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده،دراسة وتحقيق: د.محمد عمارة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1972م.
36- د.محمد عمارة: الإمام محمد عبده مجدد الدنيا بتجديد الدين، دار الشروق، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية 1988م.
37- د.محمد عمارة: عبد الرحمن الكواكبي شهيد الحرية ومجدد الإسلام، دار الشروق، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية 1988م.
38- د.محمد الكتاني: الصراع بين القديم والجديد في الأدب العربي الحديث، الجزء الأول، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1982م.
39- محمد المصطفى عزام: المصطلح الصوفي بين التجربة والتأويل، مطبعة نداكوم للصحافة والطباعة، الطبعة الأولى،2000م.
40- مارتن هيدجر: في ماهية الحقيقة، ضمن: كتابات أساسية، الجزء الثاني، ترجمة: إسماعيل المصدق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، مصر، عدد:505، طبعة 2003م.
41- د.يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية،مطابع الدجوي، القاهرة، مصر، الطبعة السادسة، 1976م.
لا خلاف بين العلماء على أهمية المصلحة في التشريعات الإسلامية، وأن الأحكام والتصرفات الدينية منها والمدنية جميعها وضعت ابتداء لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، لذلك ظهرت الجملة “الشريعة الإسلامية كلها مصالح”، لأن التشريعات الإسلامية في جميع مجالاتها الدينية والمدنية موضوعة لتحقيق مصالح الناس سواء من حيث تكثير المنفعة أو دفع أضداد المنفعة وهي المفاسد.
وسارت هذه الجملة بمقام القاعدة عند العلماء، بل هي أم القواعد المقاصدية وأعمها وأوسعها[1]، بحيث لا يتصور الخلف عن هذه القاعدة في أحاد جزئيات الشريعة، وقد وصفها ابن عاشور بأنها (قاعدة كلية في الشريعة)[2]. وافتتح بها الشاطبي الجزء الخاص بالمقاصد في كتابه الموافقات[3].
ونال هذا الأصل الإجماع بين العلماء عدا ما ينقل من مخالفة الظاهرية، وكل عالم أخذ طريقا معينا في تقرير هذا الأصل.
نبدأ بالقرافي في كتابه “الفروق” وصف مراعاة المصلحة بأنها عادة الله تعالى في الخلق وفي وضع التشريعات، يقول: “إن عادة الله تعالى في الشرائع أن الأحكام تتبع المصالح”[4]. ويتجلى من ذلك أن الفعل حين يعتبر عادة فإنه يكون صفة ملازمة للفاعل في كل وقت وحين، ولذا يستحيل أن يخلو حكم في الشرع من مصلحة تناسبه.
ومن شواهد هذه العادة الثابتة من الشارع في تغليبه للمصلحة في جميع الأوامر والخلق، إرسال الأنبياء من البشر لترشيد أقوامهم إلى مصالحهم، وإن تضرر أحد برسالاتهم إلا أن المنفعة التي جاءت بها كانت غالبة يقول ابن تيمية: ” الرسل – صلوات الله عليهم – بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان”[5].
وأكد على المعنى ذاته ابن القيم حين وصف الشريعة أن “مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها”[6].
وابن عاشور من جهته يقرر أن الشريعة وإن بدا من بعض تشريعاتها حرج وضرر وتفويت لمصالح بعض المكلفين مثل تحريم الخمر وتحريم الانتفاع بماله عن طريق البيع، لكن مع التأمل ستظهر مصالحها الكامنة التي راعها الشارع[7].
ثم يعمق هذا التأصيل الدكتور البوطي حيث قرن المصلحة بالنزعة الفطرية التي يختص بها الإنسان، فإنه كما يسعى الإنسان بطبيعته وراء ما يحقق منافعه الشخصية وغيرها في هذه الحياة، يأتي الإسلام – وهو دين الفطرة – بشرائع ترعى وتلبي هذه المنافع، ويضع لها قوالب قانونية متوزانة، وكانت رعايته للمنفعة على أتم مظاهرها وأوسع طاقاتها لتكون محورا لما شرعه الله تعالى لعباده من شرائع وأحكام، وأساسا لجميع ما خطه لعباده من أخلاق وفضائل”[8].
والشاطبي خصص رعاية مصالح الخلق بالنوع الأول: “قصد الشارع من وضع الشريعة ابتداء”، إشارة إلى أن المصلحة هي القصد الأول للشارع وما عداه تفاصيل له؛ لأن “تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام ضرورية .. وحاجية.. وتحسينية”[9]، وهذه الضروريات هي أصل المصالح وبقية الأنواع متممات لها[10].
ويفصّل كل نوع من مراتب هذه المصالح:
1 – أما المصالح أو المقاصد الضرورية فهي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، ويترتب على فقدانها اختلال وفساد كبير في الدنيا والآخرة. وبقدر ما يكون من فقدانها بقدر ما يكون الفساد والتعطل في نظام الحياة.
2 – المقاصد الحاجية أو المصالح الحاجية – هي التي يتحقق بها رفع الضيق والحرج عن حياة المكلفين، والتوسعة فيها. مثل: الرخص للمسافر لسبب السفر، وإباحة الصيد.. وغيرهما[11].
3 – التحسينية، ,هي المصالح التي تليق بمحاسن العادات، مثل التقرب بالنوافل، وآداب الأكل والشرب.. وغيرها[12]. وهي لا ترقى أهميتها إلى مستوى المرتبتين السابقتين، وإنما شأنها أن تتم وتحسن تحصيلهما ويجمع ذلك محاسن العادات ومكارم الأخلاق والآداب[13].
والحاصل من ذلك كله أن المصلحة تمثل محورا أساسيا في الشريعة الإسلامية؛ لذلك اعتبرت أحد مصادر التشريع الإسلامي، وتتأكد هذه الحقيقة من خلال الأصول والقواعد التشريعية المتنوعة التي ترجع إلى اعتبار المصلحة. ومن أصرحها وأشهرها هو أصل (المصلحة المرسلة) التي اعتمدها بعض المذاهب، بل اعتبرها جميع المذاهب في التحقيق دون خلاف[14].
ومن الأصول التي اعتبرت فيها المصلحة: الاستحسان فإنه يرجع في أكثر صوره وتطبيقاته إلى اعتبار المصلحة، يقول ابن رشد: ومعنى الاستحسان في أكثر الأحوال هو الالتفات إلى المصلحة، والعدل”[15].
ومن القواعد الشرعية التي تثبت حجية المصلحة في التشريع الإسلامي:
أ – الأصل في المنافع الإذن وفي المضار المنع[16
ب – الضرر يزال
جـ – الفتوى تدور مع المصلحة حيث دارت[17].
د – تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة[18].
وما سبق إيراده من الأمور تؤكد اهتمام الشارع بمصلحة الخلق، وأن الشريعة لم تأت بتكاليف تخالف مصالح البشر وتعارضها، وإنما وضعها الشارع لتلبية مصالح العباد، فالشريعة مصلحة كلها من حيث تحقيقها لمصالح البشر الدنيوية والأخروية.

[1] معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية، مجموعة المؤلفين (3/326).
[2] مقاصد الشريعة الإسلامية (3/ 197)، مرجع سابق.
[3] الموافقات (2/ 9)، تحقيق مشهور حسن.
[4] القرافي، أحمد بن إدريس، الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق، (3/95)، عالم الكتب، بدون طبعة و تاريخ.
[5] ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى (8/94)، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المملكة العربية السعودية، 1416هـ – 1995م.
[6] ابن القيم، محمد بن أبي بكر، أعلام الوقعين عن رب االعالمين، (3/ 11)، دار الكتب العلمية، لبنان، تحقيق محمد عبد السلام إبراهيم، الطبعة الأولى، 1411هـ – 1991م.
[7] مقاصد الشريعة الإسلامية (3/ 36).
[8] ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية (24).
[9] الموافقات (2/17)؛ نظرية المقاصد عند الشاطبي (145).
[10] الموافقات (2/25).
[11] الموافقات (2/21)؛ نظرية المقاصد عند الشاطبي (145).
[12] الموافقات (2/23).
[13] نظرية المقاصد عند الشاطبي (145).
[14] الاجتهاد والمصلحة والنص (31)؛
يقول القرافي وهو ينقل هذا الاستعمال لدي أرباب المذاهب الأخرى غير المالكية، الذين صرحوا بالإنكار لكن اعتبروها في مجال الاستنباط:
” أما المصلحة المرسلة فغيرنا يصرح بإنكارها ولكنهم عند التفريع تجدهم يعللون بمطلق المصلحة ولا يطالبون أنفسهم عند الفوارق والجوامع بإبداء الشاهد لها بالاعتبار بل يعتمدون على مجرد المناسبة وهذا هو المصلحة المرسلة “. انظر: القرافي، أحمد بن إدريس، الذخيرة (1/152)، دار الغرب الإسلامي، لبنان، الطبعة الأولى، 1994 م.
[15] ابن رشد الحفيد، محمد بن أحمد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (3/201)، دار الحديث، القاهرة، بدون طبعة، 1425هـ – 2004 م ؛ الاجتهاد والمصلحة والنص (31).
[16] الزركشي، محمد بن عبد الله، البحر المحيط في أصول الفقه (8/8)، دار الكتبي، الطبعة الأولى، 1414هـ – 1994م
[17] الغزالي، محمد بن محمد، إحياء علوم الدين (2/110)، دار المعرفة ، بيروت، بدون طبعة وتاريخ؛ معلمة زايد (5/369)، والصيغة منها.
[18] الزركشي، محمد بن عبد الله، المنثور في القواعد الفقهية (1/309)، وزارة الأوقاف الكويتية، الطبعة: الثانية، 1405هـ – 1985م
ابتناء الشريعة على رعاية مصالح العباد:

يقول الفقيه الشجاع العز بن عبد السلام: “إن الشريعة كلها مصالح إما درء مفاسد أو جلب مصالح”، ويقول الإمام الكبير ناصر السنة النبوية شيخ الإسلام ابن تيمية: “ومعلوم أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الأماكن”، ويقول أيضاً: “فإن الله –تعالى- بعث رسوله -صلى الله عليه وسلم- بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها”. ويقول الفقيه المحقق ابن قيم الجوزية: “إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم، ومصالح العباد في المعاش والمعاد”، ويقول الإمام الشاطبي: “والشريعة ما وضعت إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل ودرء المفاسد عنهم”.

فهذا المنقول من هؤلاء الأئمة الأعلام، صريحة في أن الشريعة بنيت على أساس رعاية مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وسواءً اكانت هذه المصالح جلب منافع، أم درء مفاسد؛ لأن درء المفاسد وجه من وجوه المصلحة.

3–أدلة ابتناء الشريعة على رعاية المصالح:

وما ذهب إليه هؤلاء العلماء هو الحق، وعليه يدل استقراء النصوص ونهج المشرع في تشريعه الأحكام، وتشهد له أصول الشريعة المقطوع بصحتها ونذكر من ذلك على سبيل التمثيل لا الحصر ما يلي:

أ–جاء في القرآن الكريم قي تعليل رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، ومن الواضح أن الرحمة هذه تتضمن رعاية مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم.

ب–تعليل الأحكام بجلب المصلحة ودرء المفسدة إعلام للمكلفين بأن تحصيل المصالح هو مقصود الشارع الحكيم، وإن الأحكام ما شُرعت إلا لهذا الغرض فمن ذلك قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:179]، فتشريع القصاص مصلحة مؤكدة للناس؛ لأن فيه زجراً وردعاً لمن تسول نفسه الاعتداء على أرواح الناس، فتحفظ حياتهم بذلك، وقول الله -تعالى- في تعليل النهي عن الخمر والميسر: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)[المائدة:91]، فالنهي عن الخمر والميسر يحقق مصلحة مؤكدة هي دفع ما يريد الشيطان إيقاعه بين المسلمين من عداوة وبغضاء وصد عن ذكر الله وعن الصلاة.

ج–من أصول الشريعة المقطوع بصحتها رفع الحرج عن الناس وإرادة اليسر بهم ودفع العسر عنهم قال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة:185]، وقال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) [النساء:28]، وقال عز وجل: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج:78]، ولا شك أن رفع الحرج عن الناس وإرادة اليسر بالعباد والتخفيف عنهم كل ذلك من مظاهر رعاية المصلحة في التشريع الإسلامي.

د–تشريع الرخص بالنسبة لذوي الأعذار كالمرضى والمسافرين والمضطرين والمكرهين، على وجه بارز من وجوه رعاية المصلحة وعدم إرهاق الناس، فالمريض يفطر في رمضان، وكذا المسافر والمكره على كلمة الكفر لا يكفر بقولها، والمضطر يباح له تناول المحرمات من مطعوم أو مشروب لأن الضرورات تبيح المحظورات.

هـ-وتشريع الأحكام في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ بنهج التدرج فلم تأت أحكامه دفعة واحدة وإنما جاءت متدرجة من حيث زمان تشريعها، ومن حيث أنواعها رعاية لمصالح العباد ورفع المشقة عنهم، وترويضهم على تقبل الأحكام شيئاً فشيئاً.

) وسائل المعرفة (Ways of knowledge): وتتناول مشكلة وسائل المعرفة الحواس، العقل، الحدس ، وفي الغربية هناك ثلاثة مدارس تقوم كل واحدة على اتخاذ إحدى هذه الوسائل كأداة للمعرفة المطلقة اليقين دون أن تنفي الوسائل الأخرى ولكنها تجعلها وسيلة للمعرفة الظنية . فالمذهب التجريبي (Imprecation) يتخذ من الحواس وسيلة المعرفة فهناك هوبز (Hottes) الذي ذهب إلى أن الحس هو الأصل في جميع معارفنا، وجون لوك (Locke) الذي أنكر وجود مبادئ فطرية وذهب إلى أن العقل يولد صفحة بيضاء والتجربة هي التي تخط على هذه الصفحة وسطورها.
أما المذهب العقلاني فيذهب إلى أن العقل هو الوسيلة الوحدة للمعرفة الحقيقية التي تتسم بالضرورة (صدق القضايا العقلية دائماً) والكلية (صدقب هذه القضايا في زمان ومكان). ومن ممثلي هذا المذهب ديكارت وكانط.
أما المذهب الثالث فهو المذهب الحدسي الذي يرى أن الحواس والعقل هي وسائل معرفة ظنية بمعنى أنها معرضة للصواب والخطأ ، لهذا يجب أن نلجأ إلى الحدس للإلهام كوسيلة للمعرفة المطلقة اليقين. وهذا المذهب يقارب نظرية الكشف الصوفي التي مضمونها أنه بالرياضة الروحية والبدنية يرق الحجاب بين الإنسان وخالقه حتى يزول، فيلتقي الإنسان للمعرفة تلقياً مباشراً من الله تعالى بدون واسطة من الحواس والعقل، وأهم ممثلي هذه النظرية الإمام الغزالي ومحي الدين بن عربي.
ج) مصادر المعرفة: ترتبط هذه المشكلة وحلها بمشكلة وسائل المعرفة فمن يرى أن الحواس هي وسيلة المعرفة الحقيقية يرى أن مصدر المعرفة هو الواقع ذو الوجود الوصفي المستقل عن عقل الإنسان والسابق عليه في الوجود (الواقعية).
ومن يرى أن العقل هو وسيلة المعرفة الحقيقية يرى أن مصدر المعرفة هو قضايا عقلية أولية (قبلية) أي سابقة على كل تجربة حسية (العقلانية).
أما من يرى أن وسيلة المعرفة الحقيقية هي الحدس فيرى أن مصدر المعرفة هو مجرد مطلق وكمفارق للوجود المادي المحدود بالزمان والمكان.
نظرية المعرفه الصوفيه(الكشف)
نظرية المعرفه الصوفيه(الكشف)ترى أن الحواس والعقل هي وسائل معرفة ظنية بمعنى أنها معرضة للصواب والخطأ لهذا يجب أن نلجأ إلى الكشف كوسيلة للمعرفة المطلقة اليقين. ومضمونها أنه بالرياضة الروحية والجسديه يرق الحجاب بين الإنسان وخالقه حتى يزول أو يكاد يزول فيلتقي الإنسان للمعرفة تلقياً مباشراً من الله تعالى بدون واسطة من الحواس والعقل.
تقويم:
يمكن اعتبار الكشف كشكل من أشكال الرؤية الصادقة التي أشارت النصوص قال(ص) “الرؤية الصادقة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة”.لكن المعرفة الكشفيه معرفه ذاتية لابد لها من معيار موضوعي لها للأخذ بها كوسيلة للمعرفة ، هذا المعيار ذو بعدان :
بعد تكويني :هو اتساقها مع الوحي في إدراكها للغيبيات المطلقة عن قيود الزمان والمكان، يقول الشاطبى (فهذا أصل اقتضى للعاقل أن لا يجعل العقل حاكما بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع)
بعد تكليفي:هو اتساقها مع الحواس في إدراكها لعالم الشهادة المحدود زمانا و مكان والسنن الالهيه التي تضبط حركته ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والافئده لعلكم تشكرون﴾.
ومن هنا كان التمييز بين الوحي وموضوعه الغيب المطلق الذي يتضمن الوجود الغيبي المطلق من قيود الزمان والمكان بشكليه المطلق (وجود الله تعالى) والمحدود (مثل وجود الملائكة الجن، الجنة، النار…)والرؤية الصادقة وموضوعها الغيب النسبي(المقيد) الذي يتضمن كل ما لم تتوافر إمكانية معرفته عن عالم الشهادة في مرحلة معينة أو في ظل ظروف معينه أو لشخص معين، مع توافر هذه الإمكانية في مرحلة تاليةاو ظروف أخرى أو شخص أخر ، والذي لم ينهى الإسلام عن البحث المعرفي فيه لأنه يقع أصلاً في نطاق عالم الشهادة.
نظرية المعرفة:
أ) إمكانية المعرفة (الشك المنهجي):
تبنى الغزالي الشك المنهجي (الابتداء بالشك للانتهاء باليقين) كما في كتابه (المنقذ من الضلال) حيث يبدأ بالشك في الحواس بأدلة منها أن الكوكب نراه بحجم الدينار بينما البراهين تثبت أنه أكبر من الأرض. وإذا أمدتنا الحواس بمعلومات ثم جاء العقل فكذبها فمن يدريني أن هناك قوة أعلى من العقل قد يأتي وقت تثبت فيه خطأ الثقة في العقل. ثم شك في الشعور لأننا نحلم ونعتقد أثناء الحلم أن ما نراه حقيقة واقعية ثم نستيقظ ونعلم أن ما عشناه كان وهماً. ثم انتقل إلى اليقين بالكشف أو الدس أ وبتعبيره بنور قذفه الله في قلبه.
ب) وسائل المعرفة (الكشف):
نظرية الكشف الصوفي:
تبنى الغزالي (شأن أغلب الصوفية) هذه النظرية، ومضمونها أن الحواس والعقل وسائل معرفة ظنية لهذا نلجأ للكشف كوسيلة للمعرفة اليقينية ومضمون هذا الكشف أنه بالرياضة الروحية يرق الحجاب بين الإنسان وخالقه حتى يزول فيتلقى الإنسان المعرفة تلقائياً مباشراً من الله بدون واسطة من الحواس والعقل.
القلب كتعبير عن الكشف:
عبر الغزالي عن الكشف بالقلب كوسيلة للمعرفة، فالقلب عنده ليس الجسم المادي المحسوس الموجود في صدر الإنسان، إنما هو (لطيفة روحانية تمثل حقيقة الإنسان حسب تعبيره).
ح) طبيعة المعرفة (كيفيتها):
فطريه المعرفة:يرى الغزالى ان المعرفة بالله وبالحقائق فطرية(1)، وهي مركوزة في القلب فكل قلب فهو صالح بالفطرة لمعرفة الحقائق
كيفيه المعرفة:ويحاول الغزالي توضيح كيفية حدوث المعرفة فيضرب مثالين:
الأول: أن القلب كالمرآة ،والعلم هو انطباع الصور في هذه المرآة، فإن كانت مراه القلب غير مجلوه فيهو لا يستطيع أن يعكس العلوم، والذي يجعل مرآة القلوب تصدأ هو الشهوات، والذي تجلوه هو الإعراض عن هذه الشهوات”والإقبال على طاعة الله والإعراض عن مقتضى الشهوات هو والذي يجلو القلب ويصفيه”.(2) ،.
الثاني: يقول أننا لو افترضنا حوضاً في الأرض احتمل أن ينساق إليه الماء من فوقه بأنهار تفتح عليه، ويحتمل أن يحفر أسفل الحوض، ويكون ذلك الماء أغزر وأصفى. فالقلب مثل الحوض، والعلم مثل الماء، والحواس مثل الأنهار لذا يمكن أن يساق العلم بواسطة رفع الحجب عنه حتى تنفجر ينابيع العلم من داخله. “لو فرضنا حوضاًَ محفوراً في الأرض ،احتمل أن يساق إليه الماء من فوقه بأنهار تفتح فيه، ويحتمل أن يحفر أسفل الحوض ليكون ذلك الماء أصفى وأدوم فيكون أكثر وأغزر، فذلك القلب مثل الحوض ،والعلم مثل الماء وتكون الحواس الخمسة مثل الأنهار، وقد يمكن أن تساق العلوم إلى القلب بواسطة أنهار الحواس ،والاعتبار بالمشاهدات حتى يمتلئ علماً ،ويمكن أن تسد هذه الأنهار بالخلوة والعزلة وغض البصر ويفسر إلى عمق القلب وتطهيره ورفع طبقات الحجب عنه حتى تتفجر ينابيع العلم من داخله(3).
مقارنه مع الاستدلال:و يبين كيف يكون القلب أداة للمعرفة ويقابله الكشف الاستدلالي العقلي الذي نننقل فيه من مقدمات إلى نتائج عند المتكلمين و الفلاسفة”. فالمعرفة قد تحصل لبعض القلوب بإلهام على سبيل المباراة والمكاشفة ولبعضهم بتعلم واكتساب”.(4)
الكشف والوحى: ويميز بين كشف الصوفية ووحي الأنبياء ،فمعرفة الأولياء تتم بلا واسطة من حضرة الحق ،ولكنها تختلف عن معرفة النبوة من حيث أنها إلهام لا يدري الصوفي كيف حصل له ومن أين جاءت إليه ،على حين أن معرفة الأنبياء وحين يصل للنبي ويدري سببه وهو نزول الملك عليه، مع ذلك فإن كلاهما موقن بأن العلم في الحالتين من الله” ثم الواقع في القلب بغير حيلة واجتهاد من العبد ينقسم إلى ما لا يدري العبد كيف حصل له ومن أين حصل وإلى ما يطلع معه على السبب الذي منه استفاد ذلك العلم وهو مشاهدة الملك والأول يسمى إلهاماً ونفثاً في الروح والثاني يسمى وحياً ويختص به الأنبياء والأول يختص به الأولياء والأصفياء. 5.
موضوع المعرفة:ثم يرى أن موضوع المعرفة الكشفية ذات الله وصفاته وأفعاله” وأشرف أنواع العلم وهو العلم بالله وصفاته وأفعاله، فيه كمال الإنسان وفي كماله سعادته وصلاحه أجور حضرة الجلال والكمال”6
تفسير الآيات العلمية والكونية:غاية النص القرآني في الآيات العلمية والكونية كالتي تصف جريان الشمس ومنازل القمر وتسيير السحاب وتصريف الرياح وإرسال الرعد والبرق وإنبات الزرع… الخ. هداية الناس إلي العلم ، وان يستخدموا العلم في تسخير الطبيعة باعتبار ذلك جزء من المفهوم العام للعبادة (في مجال العلم) ،والاستدلال بالوجود المحدود لعالم الشهادة على الوجود المطلق (الذي ينفرد به الله تعالى) ، واتصافه بالفاعلية فينفرد بكونه الفاعل المطلق (مضمون الربوبية). والغائية فينفرد بكونه غاية مطلقة (مضمون الألوهية) “في مجال العقيدة”. ولتحقيق هاتان الغايتان انقسم النص القرآني إلي قسمين:
الأصول:هي الآيات ذات الدلالة القائمة بذاتها والتي يمكن اعتبارها غايات يتحقق من خلالها غاية النص القرآني هداية الناس إلي مصالحهم في كل زمان ومكان وتتمثل هنا في غايتين:
الأولى: هداية الناس إلي الله واتصافه بالربوبية والإلوهية،وذلك من خلال الاستدلال القرآني القائم على الانتقال من عالم الشهادة (مقدمة) إلي عالم الغيب (نتيجة).
الثانية: هداية الناس إلي أسس المنهج العلمي كتقرير أن الكون ومفرداته ذو وجود موضوعي مستقل عن معرفتهم وقابل للمعرفة بالحواس والعقل والدعوة إلي معرفته ﴿ وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم﴾ (الذاريات: 20- 21). ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾( فصلت: )53. (قاعدة الموضوعية) وتقرير أن حركة هذا الكون منضبطة بسنن لا تتبدل ﴿ قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾( آل عمران: 137). ﴿ فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً ﴾ (فاطر:3 ). قاعدة السببية﴾ ..الخ.
وتتضمن هذه الأصول الآيات الكونية القطعية الدلالة(التي لا تحتمل التأويل) المتضمنة لتفسير بعض الظواهر الطبيعية ، وهي بمثابة أدله لإثبات إعجاز القران ، وفى نفس الوقت أمثلة مضروبة للناس من أجل حثهم على البحث العلمي في السنن الإلهية التي تضبط الواقع الطبيعي والإنساني لا الاكتفاء بما في القرآن.
الفروع: وهى الآيات ذات الدلالة غير القائمة بذاتها ، بل القائمة بدلالة الآيات السابقة ، فهي بمثابة وسائل لتحقيق الغايات التي تضمنتها آيات الأصول، وتتمثل في الآيات التي تتحدث عن وصف مشاهد الكون المختلفة.وتتضمن هذه الفروع الآيات الكونية الظنية الدلالة(التي تحتمل التأويل) .
مذاهب تفسير الآيات الكونية:
المذهب الأول: رد الأصل إلى الفرع والإعجاز العلمي في القران: يعتبر الآيات العلمية و الكونية بمثابة غايات للنص القرآني لا وسائل له ،وذلك من خلال شروعه في استخراج النظريات العلمية من هذه الآيات لا من الكون نفسه، دون تمييز بين آيات الأصول والمتضمنة للآيات الكونية القطعية الدلالة، وآيات الفروع والمتضمنة للآيات الكونية الظنية الدلالة . والنص القرآني مطلق عن قيود الزمان والمكان غير خاضع للتطور خلال الزمان والتغير في المكان فهو بمثابة الأصل،أما التفسير فهو اجتهاد انسانى محدود بالزمان والمكان خاضع للتطور والتغير فيها فهو بالتالي يمثل الفرع .غير أن هذا المذهب يجعل العلم الأصل (المطلق) والقرآن الفرع (المحدود) وذلك بتأويل النص القرآني ليتفق مع نظرية علمية معينة. فضلاً عن أن النظريات العلمية (كشكل من أشكال المعرفة الإنسانية) محدودة نسبية لذا تحتمل الصواب والخطأ وبالتالي فإن اعتبارها من القرآن يؤدي إلي نسبة هذا الخطأ إليه وهو الخطأ الذي وقع فيه بعض المفسرين المتقدمين كالرازي في تفسير الآية (كصيب من السماء) :إن من الناس من قال أن المطر يحصل من ارتفاع أبخرة الأرض إلي الهواء فتنعقد هناك من شدة برد الهواء ثم تنزل مرة أخرى فذلك هو المطر فأبطل الله ذلك المذهب حين بين أن الصيب ينزل من السماء.وقد وجه الشاطبى النقد لبعض أنصار هذا المذهب في عصره(جاءت الشريعة على معهود العرب وما تعرفه من علوم ولم تخرج مما ألفوه وان كثيرا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القران الحد فأضافوا إليه كل علم يذكره المتقدمين والمتأخرين… وكان السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا اعرف بالقران وعلومه وما أودع فيه ولم يبلغنا أن تكلم منهم احد من شيء من هذا المدعى سوى ما تقدم من أحكام التكاليف وأحكام الاخره… وقال المراد بقوله تعالى ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ باللوح المحفوظ)( نقلا عن يوسف القرضاوى، نظرات في التفسير العلمي للقران، مجله مركز بحوث السنة، قطر، 1997، ص13).كما وجه الإمام الغزالي النقد إلي بعض الذين حاولوا الانتصار إلي أو نقض بعض النظريات العلمية من منطقي ديني لا من منطلق التجربة والاختبار العلميين (القسم. الثاني ما لا يصدم مذهبهم فيه أصلاً من أصول الدين ليس من الضرورة تصديق الأنبياء هو الرسل منازعتهم كقولهم أن كسوف القمر عبارة عن انمحاء ضوءه بتوسط الأرض بينه وبين الشمس ومن ظن أن المناظرة في إبطال هذا من الدين فقد جنى على الدين وضعف أمره فإن هذا أمر تقوم على براهين هندسية وحسابية لا تبقى معها ريبة في من يطلعه عليها.. ومن ظن وإذا قيل له أن هذا على خلاف الشرع لم يسترب في الشرع وضرر الشرع بمن تنصره بغير طريقة أكثر ممن يطعن عيه بطريقه)( الغزالي، تهافت الفلاسفة ،طبع بيروت، بدون تاريخ،ص111)
المذهب الثاني: رد الفرع إلى الأصل والإعجاز القرانى في العلم: أن الفهم الصحيح للآيات العلمية والكونية ينتهي بنا إلي التمييز بين آيات الأصول التي تتضمن أسس المنهج العلمي والدعوة إلى استعماله والآيات الكونية القطعية الدلالة التي هي بمثابة أمثله مضروبة للناس لاستعمال هذا المنهج العلمي للكشف عن السنن الالهيه في الطبيعة والإنسان.وآيات الفروع التي تتضمن الآيات الكونية ظنية الدلالة(تحتمل التأويل) والتي يمكن تفسيرها بما ينتهي إليه البحث العلمي من نظريات أثبت صحتها بالتجربة والاختبار مع تقرير أن هذا التفسير اجتهاد انسانى محدود يحتمل الصواب والخطأ ،وطبقا لهذا تصبح هذه النظريات العلمية هي جزء من هذا التفسير لا جزء من النص القرانى.
تفسير الآيات المتصلة بالسياسة والدولة :إن غاية النص القرانى من آيات المتصلة بالسياسة والدولة هداية الناس إلى المفاهيم والقيم السياسية الكلية، اللازمة لتحقيق صلاح الناس في المجال السياسى، في كل زمان ومكان،ولتحقيق هذه الغاية انقسم النص القرانى إلى قسمين :
الأصول:هي الآيات ذات الدلالة القائمة بذاتها، والتي يمكن اعتبارها غايات يتحقق من خلالها غاية النص القرآني هداية الناس إلي ما فيه صلاحهم في المجال السياسى فى كل زمان ومكان ، وتتضمن المفاهيم والقيم السياسية الكلية، التي تشكل أسس الفلسفة السياسية الاسلاميه.
الفروع: وهى الآيات ذات الدلالة غير القائمة بذاتها،بل القائمة بدلالة الآيات السابقة ، فهي بمثابة وسائل لتحقيق الغايات التي تضمنتها آيات الأصول، وتتمثل في الآيات التي تتحدث عن وسائل تحقيق المفاهيم والقيم السياسية الكلية السابقة الذكر.

نظريه المعرفة: كما تستند فلسفه “حكمه “الاستخلاف إلى نظريه في المعرفة مضمونها أن العلم صفة ألوهية،وبالتالي ذات مضمون دال على كونه تعالى غاية مطلقة ،وهذه الصفة تظهر في عالم الشهادة من خلال شكلين:ا/ شكل تكويني: يتمثل في عالم الشهادة(المتضمن للكون المسخر والإنسان المستخلف)كمصدر للمعرفة – والإحساس والتفكير المجرد(التذكير والإدراك والتصور) والرؤية الصادقة كوسائل لمعرفته..ب/ شكل تكليفي:يتمثل في عالم الغيب كمصدر للمعرفة والوحي كوسيلة لمعرفته. يقول ابن القيم (وهذا البيان نوعان: بيان بالآيات المسموعة المتلوة ، وبيان بالآيات المشهودة المرتبة، وكلاهما أدلة وآيات علة توحيد الله وأسمائه وصفاته وكلامه). ومضمون الاستخلاف هنا إظهار صفه العلم الالهيه في الأرض، وذلك بإفراد العلم المطلق لله ، واتخاذ صفة العلم الإلهية مثل أعلى مطلق يسعى الإنسان لتحقيقه في واقعه المحدود، دون أن تتوافر له امكانيه التحقيق النهائى له ، وهو ما يتم باتخاذ مقتضى هذه الصفة كضوابط موضوعية مطلقة تحدد المعرفة الإنسانية ولا تلغيها .فالوحي يحدد – ولا يلغى – جدل المعرفة القائم على الانتقال من الموضوعي (المشكلة العينية) إلي الذاتي (الحل المجرد) إلي الموضوعي(الواقع) مرة أخرى من أجل تغييره ، فيكون بمثابة ضمان موضوعي مطلق لاستمرار فاعليته.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s